الاتحاد

تقارير

بولندا وأصداء الأزمة الجورجية

أوروبا الجديدة قلقة من التدخل العسكري في جورجيا

أوروبا الجديدة قلقة من التدخل العسكري في جورجيا

تاريخياً، كانت دول ما يعرف بـ''أوروبا الجديدة'' تعيش في أرض ممزقة سياسياً بين الشرق والغرب، ومحصورةً بين نهري الراين والفولجا، ومدينتي برلين وموسكو· أما الآن وفي الوقت الذي تهدر فيه الدبابات داخل أراضي جورجيا، فإن تلك الدول تحث الغرب على إعادة التفكير في علاقاته مع روسيا، وتدفع في اتجاه إجراء ترتيبات أمنية جديدة، واتخاذ إجراءات صارمة ضد موسكو·
فمن بولندا إلى أوكرانيا، ومن جمهورية التشيك إلى بلغاريا، يتم الآن وصف غزو روسيا لجورجيا بأنه يمثل اختباراً لعزيمة الغرب· فمن المعروف أن الدول التي كانت تشكل جزءاً من الاتحاد السوفييتي السابق، تتعهد الآن بإحباط الأهداف الروسية، وذلك من خلال عقد صفقات مع الاتحاد الأوروبي، ومن خلال اتفاقية للصواريخ الدفاعية مع الولايات المتحدة، ومن خلال التجارة والدبلوماسية أيضاً·
ومسؤولو دول البلطيق وبولندا، الذين نشأوا في ظل الاحتلال السوفييتي لبلادهم، والذين ظلوا طويلاً يشعرون بالغضب كلما وصفهم أحد في أوروبا الغربية بأنهم يبالغون في خوفهم المرضي من روسيا، يستطيعون بلاشك أن يقفوا اليوم ليقولوا: ألم نقل لكم ذلك من قبل؟ ويمكن قياس قوة المشاعر البولندية المناوئة لروسيا من خلال السرعة التي أتمت بها وارسو اتفاقية الدفاع الصاروخي الأسبوع الماضي، بعد 18 شهراً من الجدل بينها وبين واشنطن· ففي الوقت الراهن تغيرت القيمة الاستراتيجية لتلك الصواريخ، التي ظلت واشنطن لفترة طويلة تؤكد أن الغرض منها هو حماية بولندا من أي هجمات يمكن أن تُشن عليها من قبل إيران·
يتبين هذا من التصريح الذي أدلى به رئيس الوزراء البولندي دونالـــد تاســـك وقال فيه: ''إن الأحداث الجارية في القوقاز تثبت بوضوح أن هـــذه الضمانـــات الأمنية لا غنى عنها''· يتفق معظم البولنديين على أن الرئيس الجورجي ميخائيل سكاشفيلي قد ارتكب خطأ جسيماً بمحاولته دخول أوسيتيا الجنوبية بالقوة، ولكنهم يشعرون في الوقت نفسه بأن روسيا قد استثمرت هذا الخطأ، لتنفيذ عملية مخطط مسبق لضم أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا·
يقول بارتوسز ويجلارسزيك محرر الشؤون الخارجية في مجلة ''جازيتا وايبورسزا'' البولندية: ''عندما استيقظنا ورأينا الدبابات الروسية في جورجيا عرفنا جيداً ما الذي يعنيه ذلك''· ويضيف ويجلارسزيك: ''بالنسبة لنا فإن المسألة برمتها تتعلق بالبقاء بعيداً عن دائرة النفوذ الروسية· وعلى رغم أننا نسينا روسيا لعقود، فإننا عندما رأينا فرانكشتاين وهو يعاد تجميعه من جديد على يدي رئيس (كي·جي· بي) السابق، فإننا تذكرناها مرة ثانية''·
بولنديون قليلون فقط هم الذين يعتقدون أن موسكو على استعداد لتوجيه قواتها العسكرية شرقاً حتى بولندا· يرجع السبب في ضآلة هذا الاحتمال- كما يرى بعض المراقبين- الى أن القوات الروسية قد افتقدت الانضباط الذي كانت تتمتع به إبان الحقبة السوفييتية، وأن الكثيرين من الروس، قد نسوا مبادئ الماركسية العظيمة وأصبحوا أكثر ميلاً لامتلاك العقارات في موناكو و''بالم بيتش'' والتمتع برغد العيش· وليس هناك من شك في أن روسيا سوف تسعى -كما يقول دبلوماسي بولندي- إلى استغلال انقسام الغرب وعدم قدرته على الرد لشن نوع جديد من الحروب الاقتصادية وحروب الطاقة، التي يمكن النظر إلى الحرب في جورجيا على أنها تمثل نموذجاً لها· ويُشار إلى أن خمسة من رؤساء دول شرق أوروبا قد سافروا إلى جورجيا الأسبوع الماضي لإظهار تضامنهم معها، وتحديهم لروسيا· ففي الوقت الراهن، تعيد دول هذه المنطقة النظر في سياستها الخاصة بالسماح لمواطنيها من أصول روسية بالحصول على جنسية مزدوجة- جنسية الدولة زائد الجنسية الروسية في ذات الوقت- خوفاً من أن تستغل روسيا هذا الوضع، للتدخل في تلك البلاد بذريعة حماية المواطنين الروس، كما فعلت في أوسيتيا الجنوبية مؤخراً·
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، حيث ترغب أوكرانيا في الحد من استخدام سفن البحرية الروسية لموانئها، كما تتعهد دول أوروبا الشرقية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بإعاقة الجهود الروسية الجديدة الرامية الى عقد صفقات تجاريــــة حرة مـــع دول الغرب· في هذا السياق، وجه الرئيس البولندي انتقادات لكل من ألمانيا وفرنسا بسبب ما وصفه بممالأتهما لروسيا من أجل حماية مصالحهما التجارية· كما يدعو الرئيس الأستوني ''توماس هندريك'' بحرارة إلى السماح لجورجيا بالانضمام لحلف ''الناتو''· وهؤلاء الرؤساء يرون أن الإجراءات الروسية الحالية في القوقاز تثبت صحة وجهة نظرهم هذه·
يرد المسؤولون الألمان والعديد من مسؤولي ''الناتو'' على ذلك بالقول إنه من غير الواقعي أن يسعى أي أحد الى استفزاز روسيا من خلال السماح لجوارها القريب بالدخول في الحلف· ويُشار إلى أن الولايات المتحدة كانت قد بذلت جهوداً كبيرة لضم دول شرق أوروبا لحلف ''الناتو''، بعد أن قرر الزعيم السوفييتي ميخائيل جورباتشوف تحرير تلك الدول من القبضة السوفييتية· ولكن ما حدث بعد ذلك هو أن الأميركيين، ونظراً لانشغالهم بالحرب على الإرهاب في أفغانستان والعراق، اضطروا إلى تقليص اهتمامهم بدول القوقاز وشرق أوروبا تدريجياً، واستمروا في ذلك حتى بعد أن أصبح من الواضح أن روسيا تحت حكم فلاديمير بوتين كانت تزداد قوة مع كل زيادة في أسعار النفط·
في الوقت الراهن، ينظر البولنديون إلى الأحداث التي تتبلور في القوقاز، من منظور أن ذلك لم يكن ليحدث لو لم تكن أميركا غافلة عما كان يجري في تلك المنطقة، في الوقت الذي كانت روسيا تزداد قوة· ويقول جيمس هوبر وهو دبلوماسي أميركي كبير سبق له العمل في بولندا ''إن البولنديين يرون أن الدوافع التوسعية الروسية لا يمكن مواجهتها، إلا من خلال سياسة أميركية ثابتة، فيما يتعلق بإدارة الشؤون الأمنية لدول شرق أوروبا، وهو ما يعني أنهم لا يزالون يعلقون كل شيء على قوة أميركا ودوافعها وعزيمتها على الفعل''·

روبرت ماركواند-وارسو
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا