الاتحاد

ثقافة

«عبر الوطن».. تعيش غُربة لا بد منها!

موقع «الطائرة المهجورة» في إمارة أم القيوين (الاتحاد)

موقع «الطائرة المهجورة» في إمارة أم القيوين (الاتحاد)

نوف الموسى (دبي)

زرتُ موقع «الطائرة المهجور» في إمارة أم القيوين، مرتين. أولهما وقت انتصاف النهار، وثانيهما عند غروب الشمس تماماً، والمواجهة التامة مع الشفق. وفي كلا الزمنين، أردتُ إدراك أبعاد الآثار المادية لقيمنا الإنسانية، خاصةً أن «الطائرة المهجورة»، شكلت مؤخراً، مساحة مفتوحة غير محددة، لمشروع كُلفت فيه مجموعة «نيو أورلينز إيرليفت» من قبل مؤسسة الشارقة للفنون، ضمن بينالي الشارقة 2019، باعتباره عرضاً لأداء عام، يحمل عنوان «عبر الوطن».
في الحقيقة، ومنذ الوهلة الأولى، كنتُ مأخوذة بتلك الأقمشة المتدلية من على أجنحة الطائرة، ففي الظهيرة تثيرها الرياح جنوناً يُمنةً ويسرة، أما ليلاً، تُرى بلا ظِلال، راكزة مستكينة متأهبة لمن يَمر من خلالها، متخذة من نفسها تجسيداً للبوابات المفتوحة على عوالم متعددة. كل باب يهديك غُربةً لا بد منها، ترسيك على شواطئ تجربة العبور، لكن إلى أين؟! في كل التفاتة بين البوابات تسمع هديل الحمامات، بينما تحط على أعشاشها المخبأة في الفجوات الحديدة المتهالكة لأجنحة الطائرة. ومن المضحك أن تتخيل (مجازياً) بأن نفس الحمامات بمقدورها ربما أن ترتفع بالطائرة وتطير، إلا أن وجودها ما هو إلا تأكيد على فعل «المهجور»، الذي باستطاعته أن يخلق حِراكاً رغم كم التلاشي لأشكال الحياة فيه!

حبل طويل
يَلفُ الطائرة حبلٌ ثقيل، يُشبه الثنيات السميكة لحبال السفن، تراها مثل جدائل الشعر الأسود الغليظ. رُبطت نهاية الحبل بعمود جانبي، يتراءى للناظر بأنها معقودة مثل سفينة تستقر في الميناء، ما يهدي للمتصور بأن الطائرة متوقفة منذ أمدٍ بعيد، ولا يمكنها التحليق، وأن تلك البوابات المصفوفة ما هي إلا وهم، يتوسد أرواح العابرين، ويعكس شعورهم الداخلي، وإحساسهم الدفين بالوحشة المتهالكة. اللافت أن الفنانين ضمن مجموعة «نيو أورلينز إيرليفت» المشاركة في بينالي الشارقة 14، وهم ديلاني مارتن وأليتا إدغار وتايلور شيبهرد، بدؤوا بحثهم بطرح أسئلة عن الهوية الوطنية والشخصية، بإجراء مقابلات حيّة ومجتمعية مع المقيمين في دولة الإمارات، وموقع «الطائرة المهجورة» في العمل، بمثابة إسقاط ذاتي، وتفاعل مع الانعكاسات، حول السفر والهجرة والوجهة والزيارة ومعنى الوطن.
في ذيل الطائرة وتحديداً الموازنات الأفقية، علق الفنانون قماشين، نُسج على أطرافهما «الخرز»، أو ما يُعرف بـ الـ«ترتر»، الخرز اللماع والملون، الذي عادة ما يتم فيه تطريز الملابس، ولكن السؤال: لماذا شيء يلمع فوق الجزء الخلفي من الطائرة، مشكلاً بذلك القماش شيئاً يشبه «العلم» أو «الراية». ويأتي مستوى درجة اللمعان، بناء على مدى إسقاط شعاع الشمس عليها: هل هو للاستدلال على مكان الطائرة، لعابرين آخرين؟! الغريب أن بعضاً من خرز الترتر تناثر على الأرض بجانب الطائرة القريبة من الساحل، مقدمةً إيحاء بأن «الزمن» ما هو إلا تطور للمادة، فكلما أخذت الأشياء المادية أشكالاً مختلفة بحكم متغيرات فعل الريح والمطر والغبار وغيرها، تسقط منها أشياء وتتداخل معها أمور أخرى، كأن يذهب الترتر ويختلط بالصدأ. ما يجعل المتابع يسعى في محاولة تفسير وضع «الطائرة المهجور» وتأثير ما تمت إضافته من قبل الفنانين.

ظلال ووضوح
حول نفس السياق، وفي مقالة نوعية للكاتبة والصحفية في مجال الثقافة ألكسا غوتهاردت حملت عنوان: «المصور جون ديفولا عن التقاط حياة الإنسان من خلال المباني المهجورة»، قال الفنان الأميركي البصري المعاصر جون عن الخط الفاصل بين ما قام به وما لم يفعله في أعماله الفوتوغرافية، مبيناً أن الطريقة التي ننظر بها إلى العالم، يتم تحريرها بشكل كبير، معتبراً أنها«تسوية غريب بين ما تتوقع رؤيته وما تريد رؤيته وما هو موجود. يبدو الأمر كما لو كنت طفلاً صغيراً في فناء أبيض به كراسٍ بيضاء تحت أشعة الشمس - الظلال أكثر وضوحاً من الكراسي. لكن كل ما عليك فعله هو أن تضرب ركبتك على الكرسي مرة واحدة ولا ترى الظلال بعد الآن، بل ترى الكراسي». وفي نفس الحوار، أشار إلى اهتمامه بالمنازل المهجورة كونها مدرجة في التاريخ المادي، لكل أولئك الذين عاشو فيها، متضمنة قرارات المهندس المعماري وقتها، وكذلك الذين يأتون بعد ذلك ويكسرون الأشياء ويهدمونها!
أن تقوم بتحويل المواقع المهجورة، من خلال الأعمال التركيبية للفنانين، إلى موارد ثقافية، مفهوم ثري ناقشته إيمي فونبوكيل، أستاذ مساعد/‏ زميل كلية دراسات المتاحف ـ جامعة نيويورك، أثناء كتابتها حول ما تثيره الأعمال التركيبية للفنانين من أسئلة حول المباني المهجورة، متخذة من نموذج أعمال فنان الشارع الفرنسي JR، وعمله على لصق صور أرشيفية للمهاجرين في مستشفى مهجورة ـ مستشفى إليس آيلاند للمهاجرين ـ في جزيرة إليس، التي كانت تُعرف بأنها البوابة لملايين المهاجرين إلى الولايات المتحدة، وذلك من سنة 1882 إلى سنة 1954، لافتة إلى أنه على الرغم من التخلي عنها منذ سنوات طويلة، فإنها فُرصة لتفسير قصص هؤلاء الناس من خلال الفن، معتبرة أن ما عمل عليه المشروع الفني، بأن الزائر لم يذهب إليه لتلقي العلاج ـ المستشفى لم يعاد تأهيله لنفس الغرض مجدداً ـ بل حُولت إلى فضاء الفني وتبادل للفكر. ويمكن اعتبار موقع «الطائرة المهجورة»، نموذج فعلي حول نفس المفهوم.

اقرأ أيضا

تحولات شعرية المَناظر في الأدب الفرنسي