الاتحاد

تقارير

الاقتصاد الأميركي وشماعة الأعذار الصينية

ديرك سيزرز
زميل باحث بمركز الدراسات الآسيوية بمؤسسة «هيرتدج»

"يعشق المتسوقون الأسعار الصينية"...هذه هي الذريعة التي يجادل بها المنتجون الأميركيون الشرهون الذين يعملون على تصنيع منتجاتهم في الصين. ولكن يبدو أن هذا العذر الصيني من البؤس والافتقار للإقناع إلى درجة يعجز الرئيس الأميركي وأي عضو من أعضاء الكونجرس عن مجرد النطق به.
ومهما يكن فقد أصبح الحديث عن الصين أمراً لا مفر منه بالنسبة لساستنا في واشنطن. ذلك أنهم يحملون الصين النصيب الأكبر من المسؤولية عن ضخامة عجز ميزاننا التجاري، مع تأكيدهم على أنه لا غنى عن الصين لبلادنا في تمويل العجز الهائل في ميزانيتنا العامة في الوقت نفسه. وهناك من يمضي بهذا الحوار إلى أبعد من ذلك بالإشارة إلى أفول نجم اقتصاد بلادنا، مقابل صعود الاقتصاد الصيني إلى حد لا يضاهى. وهذا ما يحتم علينا الدخول معها في شراكة اقتصادية لا مفر منها كما يقال!
غير أن جميع هذه الحجج ليست سوى أعذار تتشبث بها حكومة عاجزة عن تحقيق الحد الأدنى اللازم من المسؤولية إزاء تنظيم وإدارة اقتصادنا القومي، الذي لا يزال رغم كل ما يقال عنه -مقابل الحديث المهوّل عن صعود الاقتصاد الصيني-أكبر اقتصاد عالمي، وهب أفضل المهارات البشرية والموارد التكنولوجية، إضافة إلى كونه السوق العالمية الأكثر مرونة وقدرة على التكيف مع التقلبات والاضطرابات المالية.
وأصبح من نهج كبار مسؤولينا وساستنا إخفاء عجزهم وخيبتهم وراء الحديث المهوّل عن أهمية الصين بالنسبة لتمويل عجز موازنتنا العامة وميزاننا التجاري معاً.
وكما نعلم فإن مثل هذا العجز الذي يعانيه ميزاننا التجاري، لا ينشأ إلا نتيجة للتراجع الحاد في حجم مدخراتنا القومية. وعليه فإن أقصر طريق للحد من معدلات العجز الهائل في ميزاننا التجاري، هو تشجيع الأميركيين وحثهم على المزيد من الادخار. وهذا ما بدأه الأميركيون بالفعل.
فعقب انخفاض معدلات ادخار الفرد إلى ما دون نسبة 1 في المئة من الدخل الخاص، ارتفع معدل الادخار الآن إلى ما يقارب نسبة 5 في المئة خلال العام ونصف العام الماضيين. غير أن الحكومة الفيدرالية هي التي قوضت هذا التحسن الواضح في معدلات الادخار القومي، وذلك بضخها لميزانية إنفاق غير مسبوقة -هي ميزانية الإنقاذ الاقتصادي- ما نتج عنها إضافة حوالي تريليون دولار إلى عجز الميزانية العامة خلال العام الماضي.
يذكر أن أوباما، كان قد أعلن في شهر يناير من العام الماضي أن في وسع الحكومة الأميركية وحدها أن تحل محل المواطن فيما يتعلق بالإنفاق، بينما أبدى الكونجرس الجديد استعداده التام للاستجابة لذلك النداء الرئاسي.
وفي حين لا تلعب الصين إلا دوراً ثانوياً لا يذكر في عجز ميزاننا التجاري، وكان ممكناً تحقيق تقدم فعلي نحو الحد من معدل هذا العجز، يلاحظ أن الرئيس المنتخب والكونجرس فضلا السير في طريق مختلف جداً عن تحقيق ذلك الهدف الممكن. أما ما يتصل بالحديث عن هول عجز الميزانية العامة، فهو أكثر إيلاماً كما نعلم. فقد دأب المسؤولون على نسبة جزء لا يستهان به من هذا العجز إلى ضخامة حجم التمويل الصيني.
ولكن السؤال الواجب علينا طرحه: كيف أمكن لهم تذليل ادخارنا لهذه الأموال الطائلة التي لا نملكها؟ فهذا خطأ يتحمل المسؤولية عنه رئيسان على الأقل، إضافة إلى الكثير من جلسات الكونجرس في ولايتيه الأخيرتين على أقل تقدير.
تساند هذه الحجة حجة ثانية وتكملها بالقول: إن أميركا بحاجة ماسة إلى التمويل الصيني. وعليه فإن وسعنا الاستمرار في ذات السياسة المالية التي كان علينا ألا نتبعها في الأساس.
والحقيقة أنه ليس من أساس لهذه الحجة الثانية، بدليل التقلص الواضح للاستثمارات الصينية في سندات الخزانة الأميركية وتراجع تلك الأهمية الكبيرة التي كانت تحظى بها خلال العام الماضي مقارنة بالعام الذي قبله.
لكن ومع ذلك يلاحظ الانخفاض الحاد في أسعار الفائدة التجارية الأميركية خلال العام الماضي. وهذا يقودنا إلى القول إنه ليس للصين يد تذكر في عجز ميزانيتنا العامة التي نقوم نحن بتمويلها -ربما بذات المدخرات القومية، التي تساهم في الحد من عجز ميزاننا التجاري-.
ولهذه الحجة الثانية علاقة منطقية قوية بالحجة الأولى: فبعض المسؤولية عن بؤس تخطيط سياساتنا المالية، مرده إلى سهولة الحصول على التمويل الصيني. ولكن السؤال: هل في وسع أوباما والكونجرس الجديد توجيه اللوم للمستهلكين الأميركيين على ارتفاع معدلات إنفاقهم مجدداً؟ وإذا سلمنا جدلاً أن بنوكنا وشركاتنا ارتكبت خطأً بإفراطها في شراء ما يفيض عن حاجتها من السندات الحكومية خلال العام الحالي 2010، فهل لنا أن نحملها المسؤولية عما أدمنته الحكومة قبلها؟
يذكر أن عدداً من العلماء البارزين، تنبأ خلال الاجتماعات الأخيرة التي عقدتها "جمعية الاقتصاديين الأميركيين" بعقد كامل من ضعف الأداء الاقتصادي لبلادنا. ولكن ربما تغيرت نبوءتهم هذه فيما لو لم تواجه بلادنا عجزاً قيمته تريليون دولار، أو شهدت تراجعاً في عائداتنا الضريبية بقيمة تريليون دولار خلال السنوات المقبلة.
غير أن احتمالات عدم تحقق هذه النبوءة تظل ضعيفة جداً مع ما نرى من ضبابية الوعود التي يقدمها ذات الأفراد الذين خلقوا الأزمة المالية الاقتصادية التي تعيشها بلادنا، وكانوا من أمهر صناعها ومهندسيها.
ما يدفعني إلى تأكيد هذا القول، هو هذا الارتفاع الجنوني في معدلات الإنفاق -وليس الادخار-، مع العلم أن الأخير هو الذي يخفض عجز ميزاننا التجاري، وبالتالي عجز موازنتنا العامة.


ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي. تي. انترناشيونال»

اقرأ أيضا