الاتحاد

تقارير

أميركا... خمس أساطير حول «الصقور» و«الحمائم»

جوليان زليزر
أستاذ التاريخ والشؤون العامة بجامعة برينستون

منذ محاولة التفجير الفاشلة يوم عيد الميلاد يحاول العديد من منتقدي أوباما "الجمهوريين" تصويره على أنه متساهل ومتراخٍ بخصوص قضايا الأمن القومي حيث قال ديك تشيني متسائلا: "لماذا لا يريد الاعتراف بأننا في حرب؟". وفي هذه الأثناء، يشعر "الديمقراطيون" بالتوتر عندما يتحول الحوار إلى هذه الأسئلة؛ وقد باتوا معتادين على الصورة النمطية التي يقدمهم بها خصومهم، صورة الحمائم -أو الضعفاء- في حين يصوَّر "الجمهوريون" على أنهم صقور أقوياء وحازمون بخصوص شؤون الدفاع. ولكن نظرة إلى السنوات الستين الماضية تكشف مشهداً مختلفاً حيث قد نصادف العديد من الصقور "الديمقراطيين"، والحمائم "الجمهوريين"، وعدد ممن هم بين بين. وإليكم الآن كشفاً لبعض الحقائق والمغالطات:
1 - مع أن معظم الرؤساء "الجمهوريين" يقال إنهم من الصقور إلا أنهم عادة ما لا ينتهي بهم الأمر على ذلك النحو. فدوايت آيزنهاور، الذي انتُخب رئيساً نظراً لسمعته كبطل حرب، قضى فترته الرئاسية يسعى جاهداً إلى خفض الإنفاق العسكري وأنهى رئاسته بخطاب يحذر من "المجمع الصناعي العسكري". وفي الخمسينيات، عُرف ريتشارد نيكسون كسياسي مناوئ للشيوعية؛ وفي الستينيات، كان يبدي تذمراً من ليندون جونسون لأنه لا يستعمل كل الإمكانيات العسكرية في حرب فيتنام. وعندما أصبح رئيساً، وسَّع العمليات في كمبوديا ولاوس ورخص لحملة قصف ضد الفيتناميين الشماليين. غير أنه كان ثمة جانب آخر لنيكسون ساهم في إعادة انتخابه في 1972. ذلك أنه منذ بداية رئاسته كان يأمل في إضعاف الحركة المناوئة للحرب عبر إنهاء النزاع. وعلى رغم سياسة الفَتنمة التي تبناها نيكسون، إلا أن الولايات المتحدة سحبت قواتها تدريجياً من فيتنام وأنهت الخدمة العسكرية الإجبارية. ولعل الأهم هي سياسة الانفراج التي تبناها نيكسون بهدف تخفيف توترات الحرب الباردة.
2 - القول إن الأميركيين يفضلون دائماً الزعماء الصقور، يستحق هو أيضاً التمحيص. إذ الواقع أن العديد من الرؤساء طوروا بدائل للقوة العسكرية وظلوا يتمتعون بشعبية كبيرة؛ فجون كينيدي مثلا رفض نصيحة المسؤولين العسكريين الذين حثوه على ضرب كوبا خلال أزمة الصواريخ، ووقع في 1963 اتفاقية حظر الاختبارات النووية المحدودة. وعلى رغم الصورة النمطية التي حاول البعض تقديمهم فيها، إلا أن "الديمقراطيين" كثيراً ما يطلقون حملات فعالة ضد الصقور "الجمهوريين"، حيث أطلق جونسون إعلاناً تلفزيونياً فعالا هو إعلان غيمة الفطر الشهير، محذراً الناخبين من أن المرشح "الجمهوري" للرئاسة باري جولدووتر سيقود البلاد إلى حرب نووية. وفي 2008، قدم أوباما نفسه باعتباره المرشح الذي سيغير الطريقة التي تخاض بها الحرب على الإرهاب، في حين نافس جون ماكين في الانتخابات كصقر، مشدداً على دعمه لـ"الزيادة" في العراق وعلى خلفيته كمحارب سابق في فيتنام. وكان الفوز من نصيب أوباما.
3 - ويزعم أيضاً أن الرؤساء "الجمهوريين" يؤمنون باستعمال كامل القوة العسكرية المتاحة. على العكس، تقليديا، لا يبدي "الجمهوريون" اهتماماً باستعمال كل القوة المتاحة. فمنذ بداية الحرب الباردة، جادلوا بأن الأميركيين يمكنهم الفوز في الحروب بدون أن يقتضي ذلك تضحيات كبيرة من المواطنين، حيث يفضلون عادة القوة الجوية على القوات البرية، وجيشاً مهنياً محدوداً على الخدمة العسكرية الإجبارية. كما أنهم يريدون دائماً الفوز ولكن بثمن رخيص وبسرعة وبدون التزامات طويلة المدى. وقد قاد بوش الأب البلاد خلال عمليتين عسكريتين، الأولى من أجل القبض على الزعيم البانامي مانويل نورييجا، والثانية من أجل تحرير الكويت. غير أن بوش الأب لئن كان قد اتبع "عقيدة باول"، التي كانت تقول إن الولايات المتحدة حين تستعمل القوة فإنها ينبغي أن تكون كبيرة وهائلة، إلا أن أهدافه كانت محدودة. وفي حالة العراق مثلا، قال بوش من البداية إنه ليس مهتماً بتغيير النظام ووفى بذلك الوعد بعد تحقيق انتصار سريع في الكويت.
4 - ومن ضمن المزاعم كذلك أن بوش الابن هو الصقر الأكبر! مما لا شك فيه أن تشيني والمستشارين من المحافظين الجدد الذين كانوا يحيطون ببوش الابن خلال ولايته الأولى ضغطوا في اتجاه رد عنيف وشرس على هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وقد دعمت "عقيدة بوش"، التي نتجت عن ذلك، تغيير الأنظمة وأدت إلى حربين وقطع العلاقات الدبلوماسية مع أنظمة معادية، من بين أمور أخرى كثيرة. ولكن بحلول ولايته الثانية، كان بوش قد بدأ يتراجع عن بعض مواقفه، حيث خفف من التهديدات بعمل عسكري ضد بلدان مثل كوريا الشمالية وإيران. ووفق بعض التقارير، فإن تشيني كان مستاءً للغاية من تزايد نفوذ وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، ومن تحول الرئيس من موقف أقوى من الإرهاب إلى تعاون أكبر مع الحلفاء. كما تم استبدال حليف تشيني، وزير الدفاع رامسفيلد، بروبرت جيتس الذي جادل بأن الحرب في العراق غير ناجحة وبأنه لابد من إعادة النظر في الاستراتيجية. وبعد أن أمر بوش بـ"زيادة" في عديد القوات عام 2007 من أجل إرساء الاستقرار في العراق، وافق على جدول زمني لسحب القوات وإعادة السلطة إلى العراقيين.
5 - وأخيراً يقال إن "الديمقراطيين" قد يتظاهرون بأنهم صقور، ولكنهم يظلون حمائم في الصميم. على العكس، الديمقراطيون الصقور لديهم تقاليد (يفتخرون بها) فهاري ترومان أنشأ بتعاون مع كونجرس "جمهوري" دولة الأمن القومي خلال الحرب الباردة في 1947 و1948. وبتطوير ما بات يُعرف بـ"عقيدة ترومان" -وهي سياسة تلتزم بموجبها الولايات المتحدة بمساعدة القوى المناوئة للشيوعية عبر العالم- تبنى خطاباً متشدداً، متبعاً في ذلك نصيحة السيناتور آرثر فاندنبرج التي تقول بضرورة "إثارة هلع الشعب الأميركي".
ومن جانبه، نشَّط كلينتون مؤهلات حزبه في مجال الأمن القومي عبر الترخيص لعمليات عسكرية في البوسنة وكوسوفو وقصف العراق عدة مرات. كما نفذ ضربات مبكرة ضد "القاعدة"، مثلما حدث في صيف 1998 حين رد على تفجير السفارتين الأميركيتين في أفريقيا عبر مهاجمة مواقع "القاعدة" المشتبه فيها في السودان وأفغانستان.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي. تي. إنترناشيونال

اقرأ أيضا