الأربعاء 7 ديسمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

أسماء ووجوه على صفحات طنجة

أسماء ووجوه على صفحات طنجة
28 أكتوبر 2009 22:07
هذا الكتاب الذي جاء باسم “مقهى الحافة، عزلة في الزحام”، للمسرحي المغربي الزبير بن بوشتى هو كتاب جميل جداً، لا يمكن للقارئ إلا أن “يلتهمه” دفعة واحدة، وإن كان صغير الحجم (117 صفحة)، فهو كبير بقيمته الأدبية والتوثيقية. وقد برع المسرحي المغربي المعروف الزبير بن بوشتي في أن يكتب هذا العمل بأحاسيسه الشاعرية والنابعة من القلب، ومن حبه الشديد لمدينة طنجة التي عاش فيها وخبر أزقتها ودروبها وصادق فيها كبار كتابها بدءاً من الراحل محمد شكري وانتهاء ببول بوولز مروراً بأسماء كثيرة صنعت أمجاد طنجة الفنية والثقافية، تلك الأمجاد التي انتقلت إلى العالم. كتاب “مقهى الحافة”، يجمع محكيات ووقائع حقيقية عاشها كُتاب وعباقرة خلال إقامتهم في طنجة، منهم: جاك كيرواك مؤلف الرائعة “الملائكة المشردون”، ومنهم روائيون كبار أمثال: جان جينيه، بول بوولز، تينيسي وليامز، دون أن ننسى محمد شكري ومحمد برادة والرسام المغربي العالمي محمد الحمري الذي أحب طنجة، كما أحبها قبله الرسام العالمي ماتيس ودولا كوى ومشاهير الأدب والفن التشكيلي الذين زاروا طنجة أو عاشوا فيها. البستان المعلق يحكي لنا الزبير بن بوشتي عن مقهى الحافة التي أحبها وسمّى كتابه هذا باسمها، أن حكايته “تشبه الأسطورة فقبل سنة 1914 لم يكن هذا المرتفع ـ حيث المقهى الآن ـ سوى جزء من تل ناء سيتعصي على المتجول السير فوق تعرجاته الوعرة ولو لبضع خطوات. اعتبره أهالي طنجة وقتئذ ضاحية من ضواحي المدينة المسورة. وفوق “السدة” المفروشة بالحصير، حيث يقرفص المسنين والشباب حول الرجل المسن والوقور: البا امحمد (مؤسس المقهى ومالكه)، وهو يحكي عن عنفوان الشباب وقوة العضلات وفورة الصحة التي أهلته لإقامة هذا المقهى المنتزه، ترتسم على شفتيه ابتسامة وهو يعود بذاكرته إلى أوائل العشرينات، إذ كان عمره لا يتجاوز وقتئذ 14 أو 15 سنة. كان ينزل سفوح التلال المجاورة لاقتلاع الصخور محولاً المرتفع الوعر إلى مدرجات مشجرة ومخضرة. عمل البا امحمد وحده في مشروعه السيزيفي مدة عشرين عاما كانت كافية لأن يُذاع صيت المقهى داخل وخرج طنجة. ويصبح قبلة مشاهير الكتاب والمبدعين والساسة وجواسيس الحروب والثورات. ويقول الزبير بن بوشتى ما من قاصد طنجة ـ عابراً أو مستقراً إلا وحلَّ بهذا البستان المعلق بين زرقتي البحر والسماء، للتأمل، للكتابة وللاستمتاع بالنسيم الذي يهب عليها ممزوجاً بملوحة البحر وأريج الورود ورائحة الشاي المنعنع في جلسة تأملية هادئة تزيد من هدوئها شاعرية الموقع. نعم جلُّهم إن لم يكن كلهم مر من الحافة: القديس جان جنيه، جيمس ماك باي، علال الفاسي، بول بوولز، فريديريكو غارسيا لوركا في مروره الخاطف، تينيسي ويليامز، لطفي الخولي، ألبيرتو مورافيا، جاك كرواك، صامويل بيكيت في تردده المستمر المحتشم على طنجة من حين لآخر، براين غايسن، آلان غنسبيرغ، وليام بوروز، خوان غويتيسلو، المكي الناصري، كلاوديو برافو، رشيد الميموني في هروبه الأخير من عواصم الإرهاب والتطرف قبيل موته، محمد زفزاف في زياراته السنوية لصديقه الكبير محمد شكري وغير هؤلاء. ومن أبناء المدينة طبعاً: المرحوم عبدالله كنون في استراحته بعد تجواله المسائي بين فضاءات مرشان المجاورة لمقر سكناه العتيق المفضل بحي القصبة العريق، عبدالقادر السميحي في انسلاخه الصيفي من جلده الرباطي، الطاهر بن جلون في إطلالته الصيفية بـ”كويليه” الأبيض كعارض أزياء باريسي متقاعد يزور الحافة عساه يسترجع مشيته وطفولته الطنجاوية، فريدة بليزيد في ترددها اليومي صحبة زوجها الرسام المهدي المنبهي، مومن السحيمي الوفي العاشق لفضاءات مدينته الجميلة. جيلالي فرحاتي في نمط عيشه وتواصله الشعبي مع الناس البسطاء، العربي اليعقوبي الذي عرف الحافة صبياً وطفلاً ثم شاباً، وها هو إلى اليوم لا يزال يرقبها كحارس مبجل من غرفة بيته المطل على المقهى، وأخيراً محمد شكري ذاك المدمن الكبير على حب طنجة والعيش فيها والكتابة عن فضاءاتها وبفضاءاتها المترهبن في محرابها الليلي والنهاري”. في بيت شكري يصف لنا الزبير بن بوشتى بيت محمد شكري، قائلاً “بيت شكري لا يشبه بيت بوولز في شيء. أتعرفون لماذا؟ لأن شكري وبكل بساطة لا يتشبه بأحد. يريد أن يكون ذاته وذاته فقط. وإن كانت جدران منزله الرطبة بفعل تسربات الأمطار من شقوق السقف، تحضن بتلقائيتها الشاعرية لوحات لتشكيليين مغاربة وأجانب وصور تذكارية وكاريكاتورات لكتاب وفنانين مغاربة، عرب وأجانب... مروا من هذا البيت، حيث مارسوا شغبهم الإبداعي الجنوني الجميل. صور، أكوام اسطوانات الليزر، مطبوعات، قواميس، هدايا وتذكارات تسد عليك الطريق بترتيبها الفوضاوي الأنيق، وأنت تجتاز المدخل إلى حيث ذاك المجلس الحميمي والذي كان يوماً ما جزءاً من سطيحة اقتطعت منها غرفة زجاجية تحولت مع الوقت إلى الخلوة المفضلة للكاتب. ففيها يكتب شكري، ينام، يأكل، يستقبل الضيوف، يدير الأحاديث الصحفية لحساب الإذاعات والتلفزيونات الدولية التي تزوره. ومنها يسجل حلقات برنامجه الأسبوعي لإذاعة طنجة: “شكري يتحدث”. جزء من سطيحة حول حولها إلى غرفة زجاجية حين بدأ البيت يضيق بصاحبه وبكتبه وبأشيائه الأخرى”. رحيل بول بوولز إن الزبير بن بوشتى يتفاعل مع حيوات كبار الكتاب في طنجة، وقد اكتسب ثقتهم فنراه يتألم حين يغادر أحدهم عالمنا. يقول الزبير بن بوشتى عن رحيل الكاتب العالمي بول بوولز “رحل بول بوولز تاركاً وراءه عاصفة من الصمت والألم والتساؤل حول مصير تراثه. لأن ما كان يحيط بالكاتب الأميركي الراحل صباح يوم الاثنين 18 نونبر 1999، من الصراعات والتنازعات الدائمة النشوب بين المحيطين به من مقربين وخدم عرب وأجانب، يدعو إلى القلق والارتياب على مصير ما تركه بوولز من تحف وكتب وأعمال فنية ومخطوطات وصور ووثائق... ويعود الأستاذ الزبير ليقول عن هذا الكاتب الشهير “ولأن كاتباً يحظى بشهرة واسعة وموارد مالية لا بأس بها كبوولز لا يتوافر على وريث أو أكثر من صلبه، لا بد أن يعرف كيف يصنع المريدين وحاشية الطامعين، لا لشيء سوى للاستمتاع بالتطاحنات والدسائس المثيرة في تصعيداتها وتشويقاتها الشكسبيرية، والتي ما كانت تدور رحاها على مسمع من بوولز وجلساته”. لقد كان الرجل بارعاً في توجيه الصراعات التي عادة ما يتجاهل معرفته بها، بل ووقوعها حتى في حال رجوع المتخاصمين للاحتكام إليه، فهو محرك بارع وصامت بارع وساخر من نوع نادر. يتقن حَبْكَ اللعبة المنزلية بابتسامته الباردة والتي تجعل وجهه أكثر احمراراً، وظهره أكثر تقوساً. ينطوي على بعضه وكأن الأمر لا يعنيه ولم يكن ليعنيه حتى والدم يتدفق من فم سائقه على إثر لكمة المرابط. بول بوولز مات وانتهت الأسطورة ـ قال لي الكاتب محمد شكري الذي أضاف ـ لا أقصد أسطورة بوولز، بل أسطورة المحيطين به من المريدين والتابعين وتابعي التابعين. أستمع لتعليق شكري وذهني مشدود إلى التفكير في مصير تلك الشقة التي تشابكت بها الأغراس المتسلقة سادة منافذ الضوء ومانعة على أشعة الشمس التسلل إلى محراب الكاتب المتوحد في برجه الهرقلي النائي. مدفأة دائمة الاشتعال صيفا وشتاء وكأن جزءاً من القطب الشمالي استوطن الشقة بلا استئذان”. ويعود الزبير بن بوشتى ليقول عن صديقة محمد شكري: “لم يكن شكري قد وضع بعد الخطو الأول على عتبة تيهه الصاخب بالكتابة والحياة، عندما تعرّف على جنيه. في حين كان هذا الأخير قد قطع أشواطاً في التخلص من الكتابة ناشدا خلاصه في تراتيل عبدة الحيرة ونساك التحرر التواقين للانعتاق من عبودية الاستعمارين الخارجي والداخلي، بحيث سيتَوِّجُه تضامنه – مع الفهود السود في أميركا ومع الفدائيين الفلسطينيين – أسيراً عاشقاً يقدس إلى حد العبادة مناصرة قضايا الأقليات والمضطهدين في عالم التوسعيين والاقطاعيين والكولونياليين الجدد”. سحر الموسيقى ولم يفت الزبير بن بوشتى أن يلتفت إلى موسيقى الجهجوكة التي سحرت كبار مشاهير الموسيقيين في العالم منهم جون لينون ويوول ماكارتني “اللذان زارا ـ حسب المؤلف ـ “منطقة جهجوكة في الستينات وانحنيا لتقبيل يد رئيسها الحاج العطار، مروراً بالمغني ميك جاغير وفرقته رولينغ ستونس، وصولاً إلى كبار مدرسة الجاز الحديثة: مونتشو ماخا، ستيف بوت وستيف لايسي الذي أحيى العديد من الحفلات في أوروبا وأميركا مشاركا جهجوكة عزف مقطوعاتها الجبلية”. يؤكد الزبير بن بوشتى أن موسيقى جهجوكة عرفت “اتساعاً ملحوظاً، سقط في شرك سحرها أهم رموز الكتابة والأدب والغناء أمثال: بريان جونس/ منتج أسطوانة لايزر لجهجوكة عام 1996 في الذكرى العاشرة لرحيل براين غايسن”.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©