الأحد 25 سبتمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

الخيار الحكومي في الرعاية الصحية

28 أكتوبر 2009 00:19
ينطوي الخيار الحكومي في مجال الرعاية الصحية الذي اقترحته إدارة أوباما على خطورة واضحة قد تمنع السياسيين من القبول به، فمنذ البداية أعلنت إدارة أوباما بأن الهدف الأساسي من إصلاح نظام الرعاية الصحية هو تعميم خدماته على أكبر عدد من المواطنين الأميركيين، وفي الوقت نفسه خفض تكلفته العالية وترشيد نفقاته المتصاعدة، فلو أن الكونجرس أقر الإصلاح ووافق على تعميم الخدمات الصحية على جميع الأميركيين ولم يهتم بمسألة النفقات والتكلفة، فإن الإصلاح سيدفع بالبلد إلى الإفلاس، لأن مصاريف الرعاية الصحية تتجاوز وتيرة نموها مجمل النمو الاقتصادي. لكن رغم هذه المحاذير، يبدو أن الكونجرس يتجه رأساً نحو معضلة التكلفة وخطر الإفلاس لسببين اثنين، أولا لأنه لا أحد يعرف على وجه التدقيق كيفية التحكم في المصاريف وضبط التكلفة حتى لا تخرج عن السيطرة وتكبد الاقتصاد خسائر جمة، وثانياً لأن الإصلاحات القادرة على تغيير هذا الواقع غير مستساغة من الناحية السياسية وتواجه مقاومة شعبية، فما هي تلك الإصلاحات؟ أهم ما يستطيع الكونجرس القيام به لتفادي مشكلة تضخم النفقات هو فرض ضريبة على خدمة الرعاية الصحية التي يتلقاها المواطن من المشغل، فبامتناع الإدارة عن سن ضريبة تشبه تلك المفروضة على الدخل، تكون قد تخلت عن مداخيل مهمة تقدر بحوالي 250 مليار دولار سنوياً، كما تميز ضد الأشخاص القادرين على شراء تأمين صحي من الشركات الخاصة، فضلا عن تشجيع إساءة استخدام الخدمات الصحية التي توفرها الحكومة ما يزيد من ارتفاع النفقات أكثر. فلو أن العمال والموظفين يدفعون ضريبة للدولة نظير الخدمات الصحية التي توفرها فلربما اختاروا البرامج الأقل تكلفة كتلك التي لا تتجاوز 12 ألف دولار في السنة بدل 16 ألف دولار على أن يضاف الفرق إلى رواتبهم، وكان السيناتور "جون ماكين" من الذين تبنوا الفكرة خلال السباق الانتخابي لكنه تعرض لحملة انتقادات غير مسؤولة من قبل خصومه، كما أن "الجمهوريين" يعارضونها اليوم، لأنها توفر لهم الفرصة لانتقاد أوباما الذي سبق أن تعهد بإصلاح نظام الرعاية الصحية، وتبني الخيار الحكومي، وفي الوقت نفسه، تقليص النفقات دون فرض ضريبة على الفئات العريضة من الشعب وحصرها فقط في الأغنياء. أما الأمر الثاني المهم، الذي يمكن للكونجرس القيام به لتجنب الفشل وإنقاذ خطة الإصلاح الصحي، فتتمثل في التنازل عن صلاحية تنظيم الأمور الدقيقة والتفصيلية لبرنامج الإصلاح، ذلك أن مراقبة النفقات وضبطها في إطار معقول لا يتأتى إلا بسلسلة من الإصلاحات والتعديلات التدريجية التي تُطبق كلما ظهرت مشكلة، وكلما برزت الحاجة لتقويم الأخطاء مثل الطريقة التي يعوض بها الأطباء وباقي مزودي الخدمات الصحية، وتحديد الخدمات التي تستحق التعويض، هذه القرارات يتعين اتخاذها على أساس المعطيات الميدانية وبناء على ما ثبت نجاحه من عدمه، لكن بما أن بعض الشرائح سواء الأطباء، أو الشركات يتوجهون إلى الكونجرس للضغط والشكوى كلما لمسوا تعارضاً بين الإصلاح ومصالحهم، وبما أن الكونجرس يستجيب لهم ويسارع إلى إيقاف المقترحات وتعطيل الإصلاحات، فقد حان الوقت كي يتنازل الكونجرس عن سلطته التنظيمية، وهو بالطبع ما لا يروق له. هذا الأمر يعيدنا إلى فكرة البرنامج الصحي الذي ترعاه الحكومة، فهو يسمح لـ "الديمقراطيين" بإرضاء قاعدتهم الشعبية بالوقوف في وجه الشركات الخاصة والظهور بمظهر المدافع عن خفض التكاليف من خلال ضمان المنافسة الحرة بين الخيار الحكومي والشركات الخاصة، والحقيقة أن ادعاء "الديمقراطيين" يثير بعض التشكك، فإذا كان الخيار الحكومي سينأى بنفسه عن المحسوبية فسيكون مجرد فاعل آخر من الفاعلين الذين يقدمون خدماتهم في السوق مع ما يستتبع ذلك من جهاز إداري وجهد تسويقي لا شك أنه يتطلب أموالا، لذا لن يساهم الخيار الحكومي كثيراً في خفض التكاليف، وإذا كان الهدف، كما يقول المدافعون عنه، تعميم الرعاية الصحية على جميع المواطنين الذين غالباً ما تجد شركات التأمين الصحي الخاصة عذراً جاهزاً لإقصاء البعض منهم فإن الخيار الحكومي سيساهم فعلا في التخفيف من المشكلة، لكنه لن يحل معضلة التكاليف المرتفعة. محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «لوس أنجوس تايمز وواشنطن بوست»
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©