الإثنين 26 سبتمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم

شعلة بكين الأولمبية... نتائج عكسية

28 أكتوبر 2009 00:19
عمت مظاهر الفرح والاحتفالات خلال الشهر الجاري في كوبنهاجن إثر فوز ريو دي جانيرو باستضافة أولمبياد صيف عام 2016، وانعقاد الكونجرس الأولمبي الثالث عشر فيها، للمرة الأولى منذ عام 1994. وبينما تعم مظاهر البهجة والطرب هناك، لا يجد "جي سوزان" سبباً يدعوه للاحتفال في زنزانته الصغيرة المظلمة داخل ذلك السجن الموحش في مدينة زهاو الساحلية الواقعة في بحر الصين الشرقي. وكان هذا الناشط القانوني قد حكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات اعتباراً من شهر يناير الماضي. فما الجرم الذي ارتكبه يا ترى كي يعاقب تلك العقوبة القاسية؟ جريمته أنه صدق ما وعدت به اللجنة الأولمبية الدولية والسلطات الصينية المواطنين بتحديدها لثلاث ساحات رسمية، أعلنت حكومة بكين واللجنة الأولمبية الدولية أنها سوف تكون مفتوحة لكل من يريد أن يتظاهر أو يحتج من المواطنين. ودعت السلطات من يريدون الاحتجاج والتظاهر في تلك الساحات إلى تقديم طلباتهم مسبقاً. والحقيقة أن السلطات لم تقبل طلب أي من المتقدمين الذين بلغ عددهم 77 مواطناً. وبدلا من قبول أو رفض طلباتهم، لاحقتهم واعتقلتهم واحداً واحداً ثم أخضعتهم لمحاكمات قاسية. من بين هؤلاء امرأتان بلغتا سن السبعين، حكم عليهما بقضاء مدة سجنهما في معسكرات "إعادة التربية" من خلال أداء العمل الإلزامي، لولا أن حررتهما من تلك العقوبة القاسية حملة قوية من الاحتجاجات الدولية. يذكر بهذه المناسبة أن جاك روج -رئيس اللجنة الأولمبية الدولية- كان قد صرح لصحفيي وكالة رويترز قائلا قبل يومين من انطلاق أولمبياد بكين في العام الماضي: "نحن نعتقد أن هذه الأولمبياد سوف تدفع بأجندة الحقوق الاجتماعية وحقوق الإنسان إلى أقصى مدى ممكن في هذا البلد. كما نعتقد أن هذه الأولمبياد سوف تكون دافعاً خيرياً هنا". ولكن تبين بعد ما يزيد على العام على تلك الأولمبياد أن استضافة بكين لها ساهمت في تدهور سجل حقوق الإنسان في الصين. علينا أن نأخذ في الاعتبار مثلا إخلاء الآلاف من المواطنين الصينيين من بيوتهم لتوفير المساحات اللازمة التي تطلبتها إقامة المنشآت والمرافق الأولمبية. وأثناء الأولمبياد استمرت الرقابة المفروضة على مواقع شبكة الإنترنت والصحافة المطبوعة على رغم تعهدات بكين بتوفير حرية الصحافة والرأي كاملة طوال مدة الأولمبياد، حين كانت تصارع من أجل الفوز بطلبها الخاص باستضافة الأولمبياد. وقد أدت تلك الرقابة الصارمة على الصحافة مفعولها حين تم التكتم الصحفي الذي أمرت به السلطات على حادثة الحليب الملوث بمادة الميلامين، التي تأثر به عشرات الآلاف من الأطفال جراء تناولهم له. كما أدت أولمبياد بكين إلى تجميد كامل لتطور مؤسسات المجتمع المدني الصيني، إلى جانب إطلاقها موجة من كراهية الأجانب وتنامي النزعة الوطنية. وقد بدت هذه الممارسات واضحة جداً على إثر الاحتجاجات والاعتراضات التي واجهتها رحلة الشعلة الأولمبية، ما أدى لاعتقال بعض الصحفيين الأجانب وتشديد الرقابة على شبكة الإنترنت. وربما كانت الاضطرابات التي شهدها إقليم التبت في العام الماضي، ثم ما تبعها من أحداث مشابهة في محافظة شنجيانج في شهر يوليو المنصرم، جزءاً من التوترات التي أسفرت عن ترتيبات واستعدادات أمنية مكثفة يجري الإعداد لها من قبل السلطات في بكين. ولكن الذي غابت عن أجندة اجتماع الكونجرس الأولمبي الذي كان قد عقد في كوبنهاجن للتو، مناقشة سوء أداء أولمبياد بكين فيما يتعلق بحقوق الإنسان بالذات. كما غاب على المؤتمرين الانتباه إلى فشل المسؤولين الأولمبيين في التنبؤ والاستجابة لانتهاكات حقوق الإنسان المتوقعة سلفاً من قبل السلطات الصينية، إضافة إلى فشلهم في كيفية الحؤول دون تكرار عدم وفاء الصين بالتزاماتها وتعهداتها الخاصة باحترام حقوق الإنسان وتوفير الحريات الصحفية وحرية الرأي العام أثناء استضافتها للأولمبياد. والخوف أن يشجع هذا النجاح الزائف لأولمبياد بكين، دولا أخرى على تكرار ذات الممارسات، سواء في استقبال روسيا للأولمبياد الشتوية في شوسي عام 2014، أم غيرها من الدول والمدن. والحقيقة أن الخوف الآن يتعاظم من أولمبياد سوشي هذه. فخلال العام الحالي وحده، قتل في روسيا العديد من ناشطي حقوق الإنسان والصحفيين على بعد مئات الأميال فحسب من المنطقة التي تقام فيها هذه الأولمبياد. وتصنف اللجنة الدولية الخاصة بحماية الصحفيين روسيا في قائمة أخطر ثلاث دول على حياة وسلامة الصحفيين. فمنذ عام 2000 لقي 17 صحفياً مصرعهم في روسيا. والأسوأ أن المواطنين الروس يدركون سيادة مناخ القمع الذي يوفر حماية قانونية لمرتكبي جرائم اغتيالات الصحفيين والناشطين هذه. في مؤتمر كوبنهاجن الذي عقد خلال الشهر الحالي، قدمت منظمة "هيومان رايتس ووتش" مقترحاً بشأن إجراء إصلاحات مؤسسية على مراقبة مدى التزام الدول الراعية للألعاب الأولمبية بمعايير احترام حقوق الإنسان العالمية. ومن جانبنا نعتقد أن على اللجنة الأولمبية الدولية أن تعلن عن تعاقداتها المبرمة مع المدن والدول الراعية للأولمبياد. يذكر بهذه المناسبة أن الإصلاحات التي أجرتها اللجنة الأولمبية على نظامها الخاص بإلزام الدول الراعية بمعايير حماية البيئة، لم تحدث إلا نتيجة لانتهاكات فاضحة لتلك المعايير، تسبب في تعرض اللجنة الأولمبية لموجة عارمة من الانتقادات والضغوط المحرجة. والدرس الذي يجب علينا استخلاصه من تجربة بكين الأخيرة هو أن تعهدات الدول الطوعية باحترام حقوق الإنسان، لا تمنعها من انتهاك تلك الحقوق، وهو ما فعلته بكين. المدير الإعلامي لمنظمة "هيومان رايتس ووتش" ينشر بترتيب خاص مع خدمة «لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست»
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©