أرشيف دنيا

الاتحاد

الإنعاش القلبي الرئوي يفيد الأصحاء أكثر من المصابين بمرض مزمن

يعد الإنعاش القلبي الرئوي إحدى العمليات الإسعافية التي يجدر بكل واحد معرفة طريقة القيام بها. وهي عملية تدخل طارئ ينفذها الشخص يدوياً للحفاظ على وظائف الدماغ سليمة حتى يتم اتخاذ مزيد من التدابير لاستعادة عفوية الدورة الدموية والتنفس لإنقاذ حياة شخص مصاب بمشكلة قلبية. وعادة ما يكون المريض الذي يخضع للإنعاش القلبي في حالة الموت السريري. وإذا كان كان الشخص المنهار يبدو في صحة جيدة، وحالته تسمح وتشجع على إخضاعه للإنعاش القلبي الرئوي، فإنه يُنصح بالقيام به خلال الدقائق العشر الأولى حتى لا تتعرض خلايا الدماغ للتلف غير الرجعي. أما إن كان مسناً، أو يعاني منذ مدة طويلة مرضاً مزمناً، أو توقف قلبه نتيجة حادثة سير أو ما شابه، فإن تنفيذ الإنعاش القلبي الرئوي يكون في الغالب عديم الجدوى.

يقول مدير البحوث السريرية في إدارة الطب بكلية جبل سيناء في نيويورك الدكتور ديفيد نيومان “الإنعاش القلبي الرئوي مطلوب في بعض الحالات، لكنه غير مناسب لحالات أخرى. فهو غير بعيد من حيث المبدأ عن التدخل الجراحي. فالجراح مثلاً لا يجازف بإخضاع جسد عجوز طريح الفراش ومصاب بمرض مزمن وخائر القوى لعملية جراحية في حال تعرض لطارئ ما”.
ولا بد أن ندرك أن العديد من المسنين أو المصابين بأمراض مزمنة لا يفضلون أن تكون آخر أيام حياتهم عبارة عن سلسلة من التدخلات الطبية والجراحية. وجدير بالذكر أن الإنعاش القلبي الرئوي ابتُكر خصيصاً لإنقاذ من يتعرض قلبه لمشكلة توشك على أن تودي بحياته. ففكرة الإنعاش القلبي تمحورت منذ البداية على التدخل الفوري الهادف إلى منع مفاقمة النتائج التي قد تسببها مشكلة ما، كالجلطة القلبية أو السكتة القلبية المفاجئة الناجمة عن اضطراب نبضات القلب. فعندما يتعرض القلب لمشكلة صحية كهذه، فإنه يكون قابلاً في الغالب لمعاودة إصدار نبضاته واستئناف ضرباته على نحو منتظم.
ولنفترض أنك كنت متجهاً إلى المطار، وشاهدت شخصاً يبدو بصحة جيدة، وقد انهار أمامك فجأة وفقد وعيه وغابت عن وجهه كل علامات الحياة. في وضع كهذا، يجدر بك عدم التردد في استخدام الإنعاش القلبي الرئوي لإنقاذ الرجل، يقول جيفري بيليجرينو، فني طب الطوارئ وعضو المجلس الاستشاري العلمي للصليب الأحمر. ففي الحالات التي يفقد فيها الشخص الوعي بعد إنقاذه من الغرق أو عندما تنخفض درجة حرارة جسمه كثيراً، يكون الإنعاش القلبي الرئوي تدخلاً فعالاً وناجعاً.
ومع ظهور دراسات حديثة تتحدث عن كون الضغط على الصدر فقط لا يقل فعالية عن الإنعاش القلبي الرئوي بشكله التقليدي (الضغط على الصدر ثم النفخ في الفم)، ينصح الصليب الأحمر والجمعية الأميركية للقلب الناس غير القادرين على تنفيذ الإنعاش القلبي الرئوي أو غير الراغبين في ذلك بالاكتفاء بالضغط على الصدر. وهو أمر سهل جداً، إذ يكفي وضع اليدين وسط منطقة الصدر والضغط بقوة وبسرعة، دون القلق بشأن احتمال إيلام المصاب أو إيذائه مهما كانت قوة الضغط وعمقه. واحرص على أن تنفذ 100 ضغطة في الدقيقة، وواصل الضغط إلى أن تصل سيارة الإسعاف بأطبائها المتخصصين، أو إلى أن تصبح متعباً جداً بحيث يتعذر عليك مواصلة الضغط.
وحتى يكون الإنعاش القلبي الرئوي فعالاً في إنقاذ الحياة، يجب أن تحدث أشياء مختلفة. أولها أن يستجيب أحدهم للضحية بسرعة شديدة ويتصل بالإسعاف والطوارئ في الوقت نفسه. ثم أن يقوم المستجيب بتنفيذ الإنعاش القلبي الرئوي بشكل سليم إلى أن يحصل الضحية على العلاج الأولي باستخدام مزيل الرجفان الآلي من أجل صعق قلب الضحية قصد استعادة انتظام إيقاع نبضاته. وأخيراً بنقل الضحية إلى المستشفى لاستكمال تلقي العلاج المتقدم اللازم.
التدخل السريع
سبق لدراسة نُشرت سنة 2000 أن أظهرت أن تنفيذ الإنعاش القلبي الرئوي مع استخدام مزيل الرجفان الآلي يؤدي إلى إنقاذ 53% من المرضى الذين يتعرضون لمشكلة قلبية ما بعد مغادرتهم المستشفى. وتُعد السرعة عاملاً مهماً جداً، إذ إن 74% من أولئك الذين تلقوا العلاج بدءاً بمزيل الرجفان الآلي خلال الدقائق الثلاث الأولى من انهيارهم يتمكنون من النجاة. ولكن هذه النسبة العالية من النجاة تتطلب ظروفاً مثالية يكون فيها المتدخل مدرباً، ويوفر تدخلاً سريعاً ويجد في متناول يديه كافة المعدات اللازمة كمزيل الرجفان الآلي.
ويقول المحرر السابق بدورية الجمعية الطبية الأميركية جورد لاندبيرج “إذا سقط راشد ما مغشياً عليه فجأة في الشارع، ووجد من تدخل لإنقاذه أنه لا يستجيب نهائياً، وأن قلبه لا ينبض بالرغم من اتخاذ الإجراءات اللازمة كالإنعاش القلبي الرئوي والصعق بمزيل الرجفان والاتصال بالإسعاف، فإن فرصه في النجاة تغدو ضعيفة جداً، بحيث لا تتجاوز 2%.
أما النسبة العظمى المتبقية من الحالات، فيكون مآلها الموت مكان السقوط، أو خلال ثلاثين يوماً من تلقي العلاج الطويل، ولكن بعد تكبد الضحية آلاماً كثيرة، أو مغادرته المستشفى حياً، لكن بخلايا دماغية تالفة ووظائف ذهنية عاطلة.
ويكون الإنعاش القلبي الرئوي مفيداً فقط، عندما يتوقف القلب عن الخفقان بسبب الإصابة بمشكلة مؤقتة قابلة للعلاج. أما إن توقف قلب شخص ما بسبب صدمة معينة ناجمة عن حادثة سيارة أو سقوط من مرتفع عال، فإن الإنعاش القلبي الرئوي في حالته يكون عديم الجدوى. ويقول الدكتور نيومان “الإصابة بسكتة قلبية ناتجة عن إصابات أو صدمات قوية غير قابلة للإنقاذ. وحتى إن لاحظنا أن قلب المصاب يستجيب مؤقتاً ويعاود الخفقان، فإن ذلك يعني فقط أنه بدلاً من أن يموت الشخص في حينه، فإنه سيموت لاحقاً في غرفة العناية المركزة وهو محاط بالأسلاك والأنابيب”.
إشاعات ومبالغات
يقول لاندبيرج، إن الناس يعتقدون أن التدخل الفوري باستخدام الإنعاش القلبي الرئوي يفيد كثيراً في جميع الحالات، وذلك يرجع ربما إلى المشاهد التلفزيونية والسينمائية التي تبالغ في تقدير نتائج هذا التدخل. وقد سبق لدراسة نُشرت سنة 1996 في دورية “نيوإنجلند” للطب أن وجدت أن تقديم مشاهد تصور الإنعاش القلبي الرئوي في شاشات التلفزيون على أنه يُسهم في إنقاذ أرواح 75% ممن ينهارون فجأة نتيجة إصابتهم بمشكلة قلبية أو صحية هو أمر غير صحي ولا دقيق، فهذه النسبة بعيدة كل البعد عن النسبة الحقيقية لفرص النجاة، إذ إن وصول هذه النسبة العالية لا يتم حتى في أكثر الظروف مثالية في الواقع المعيش!
ويقول الدكتور نيومان “من الطبيعي أن يشعر الشخص العادي بالارتباك حول ما إذا كان تدخله عبر الإنعاش القلبي الرئوي سيكون مفيداً أم لا. كما أنه لا يدري إن كان هذا التدخل سيؤدي إلى تدخلات لاحقة أقصى نتائجها هي تأجيل موت الضحية لوقت قصير، وربما إخضاعه لسلسلة علاجات قد لا يكون راغباً فيها”. ويضيف “ينبغي تنفيذ الإنعاش القلبي الرئوي عندما تكون فرصة نجاة الضحية عالية، ويكون هناك أمل بأنه سيتعافى كلياً من المشكلة الصحية التي أدت إلى سقوطه. فالإنعاش القلبي الرئوي لم يكن قط يهدف إلى إعادة إنعاش قلب من توقف بعد معاناته طويلاً من مرض مزمن”.
وقد يتساءل بعض الناس عن مدى وجود داع للتدخل باستخدام الإنعاش القلبي الرئوي في حال صادفوا سقوط مسن أو مسنة، سواءً في الشارع أو داخل دار للمسنين. ويجيب لاندبيرج على هكذا تساؤل بالقول “إذا كنت متأكداً أن الشخص قد سبق له أن طلب عدم إخضاعه لهذا التدخل، فلا داع لتنفيذه نزولاً عند طلبه ورغبته. لكن إذا كنت لا تعلم شيئاً بشأن رغبات الضحية، فلا بأس بالمحاولة. فالتدخل يكتسي في هذه الحالة بعداً إنسانياً أكثر من أي اعتبارات أخرى. ولو حصل ذلك بحضور طبيب ممارس أو ممرض مدرب، فإنه ما كان ليتردد في تنفيذ الإنعاش القلبي الرئوي من منطلق واجبه المهني والأخلاقي.
ومن جهة أخرى، يَعتبر القانون الأميركي الشخص الذي يتدخل لإنقاذ ضحية ما محمياً إذا لم تتكلل محاولته الإسعافية بالنجاح. كما أنه لا يُحاسب إنْ شهد سقوط أحدهم دون أن يتدخل.

هشام أحناش
عن “واشنطن بوست”

اقرأ أيضا