الاتحاد

ثقافة

مغامرة تدفع بالتناصّ إلى أقصى إمكاناته

غلاف الكتاب

غلاف الكتاب

أبوظبي (الاتحاد)

ضمنَ كلاسيكيّات الأدب الفرنسي التي تصدر عن مشروع «كلمة» للترجمة في دائرة الثقافة والسياحة- أبوظبي، صدرت ترجمة مجموعة الشاعر والناثر الفرنسيّ جول لافورغ «أماثيل أسطوريّة». ترجمها عن الفرنسية الكاتب والمترجم المغربي محمد بنعبود، وراجع الترجمة ونقّحها ومهد لها بإضاءات نقدية الشاعر والأكاديمي العراقي المقيم في باريس كاظم جهاد.
كان جول لافورغ Jules Laforgue (1860-1887) في سنّ الخامسة والعشرين عندما قرّر كتابة مجموعة قصصية أكملها وصدرت بعد رحيله بما يقرب من ثلاثة أشهر، إذ توفي عن مرض السّلّ (الذي لم يكن له من علاج شافٍ في تلك الفترة) في سنّ السابعة والعشرين. هكذا فقد فيه الأدب موهبةً عالية ونبوغاً مبكّراً اخترمه رحيلٌ مبكّر على شاكلة لوتريامون وراديغيه وآخرين.
أفاد لافورغ بخاصّة من إسهامات التيّار الرمزي، ومن نزوع كان سائداً في فترته، يتمثّل في التنويع على الأساطير وأكبر الموضوعات القديمة، فاتجه إلى ممارسة كتابة تناصية ومُحاكاتية ساخرة (باروديا) بالغة التّعقيد والثّراء.
استند لافورغ في كتاباته هذه على تقليد مسرحي كان شائعاً في العصر الوسيط، كانت المسرحية فيه تُدعى moralité، أي أمثولة، بمعنى مسرحية ذات مغزى أخلاقي. بيد أنّ الدلالة الأمثولية في العنوان ينبغي ألّا تنسينا أنّنا هنا أمام فنٍّ رفيع للباروديا أو المحاكاة السّاخرة. سوى أنّ قصص لافورغ هي أبعد ما يكون عن الهجاء الصّريح والتعريض المعلَن، كما أنّها لا تتحدّث عن أشخاص حقيقيّين. لا بل بالعكس، يمكن أن تنطوي «الباروديا» عنده على مزيج من الإجلال والمُماحكة، أي تأكيد الإعجاب بكاتب يكون أسلوبه (لا شخصه) مستهدَفاً في الكتابة، ومتمتّعاً فيها بحضور مضمر، والاختلاف معه في آنٍ معاً، كما في المعالجة التي يُخضع لها لافورغ في بعض قصصه لغة غوستاف فلوبير وطرائقه السّردية. باختصار، نحن هنا أمام واحدة من أعقد المغامرات القصصية في الأدب الفرنسي الحديث، وأخصبها، مغامرة تدفع بالتناصّ، الخفي تارةً والبين طوراً، إلى أقصى إمكاناته. كما تدفع بتجاور مختلف التعابير الأدبية من حقيقة ومجاز وسرد ونثر شعري وجدال وسجال وهذيان إلى ذرى نادراً ما شوهدت في عملٍ آخر.
جمع الكاتب هنا أساطير قديمة وحديثة، وأخضع للتّفكيك روائع أدبية شهيرة. تتمثّل هذه الرّوائع في أعمال مخصوصة مثل «هاملت» لشكسبير، أو شخصيات دينية وأسطورية مثل سالومي، أو موضوعات عُنيَ بها موروث أدبي عريض مثل معجزة الورد. وجميع القصص تتمحور حول ثنائي ثابت، امرأة ورجل.

اقرأ أيضا

تحولات شعرية المَناظر في الأدب الفرنسي