الجمعة 30 سبتمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

في بريطانيا... كساد في السياسة والاقتصاد

27 أكتوبر 2009 01:02
لقد هوى الاقتصاد البريطاني بعيداً في هوة الكساد، مسجلا أرقام تراجع قياسية وانخفاضاً حاداً في إجمالي الناتج المحلي خلال الربع الثالث من العام المالي الحالي، ما عصف بآمال التعافي التي طالما انتظرها البريطانيون. وتعكس حدة وطول مدى الكساد هنا، الفوارق في التعافي بين الاقتصادات العالمية من تبعات وآثار الأزمة المالية العالمية الأخيرة. وعلى وجه المقارنة فقط، يلاحظ أن فرنسا وألمانيا أصبحتا هما أكثر الدول الأوروبية غنى وقدرة على التعافي السريع من آثار الأزمة هذه. وعلى عكسهما لا تزال عدة دول أوروبية أخرى بما فيها بريطانيا وإيرلندا وإسبانيا تعاني كثيراً من عمق تأثيرات موجة الكساد، ولا تزال اقتصاداتها تشهد ظواهر شبيهة بما جرى نتيجة لانهيار القطاع العقاري الأميركي، وانفجار الفقاعات المالية. وكان عدد من أبرز المحللين الاقتصاديين قد تنبأ بأن تحقق بريطانيا نمواً ضعيفاً نسبياً خلال الربع الثالث من العام المالي الحالي، الذي ينتهي بشهر سبتمبر الماضي. غير أن الاقتصاد البريطاني سجل انخفاضاً بنسبة 0.4 في المئة بدلا من تلك التوقعات، وهو الانخفاض السادس من نوعه على التوالي في الأداء ربع السنوي له. وقد تم الكشف عن هذه المعلومات على إثر نشر تقرير الدراسة التي أجراها "المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية" وهو من أكبر مؤسسات البحث المتخصصة في بريطانيا. وجاء في تقرير الدراسة المذكور، الصادر خلال الأسبوع الماضي، أن اقتصاد بريطانيا سيكون أحد الاقتصادات العالمية الأكثر تأثراً بالأزمة الحالية. يذكر أن هذا الانخفاض قد بني على أساس قاعدة واسعة من تراجع مختلف القطاعات الاقتصادية في مجال الخدمات -من الخدمات المالية إلى الفنادق ثم التموين.وفي الوقت نفسه انخفض أداء الإنتاج الصناعي والمباني والتشييد. وفي حين شهدت مبيعات التجزئة نوعاً من التحسن، إلا أن ذلك كان قاصراً على شهر يوليو وحده، بينما أظهرت قراءات شهري أغسطس وسبتمبر انخفاضاً واضحاً في حجم الإنفاق. وقد نتج عن هذا التراجع انخفاض إضافي لقيمة الجنيه الإسترليني قياساً إلى "اليورو" وغيره من العملات الأوروبية الوطنية الأخرى، مع العلم أن الجنيه قد تأثر سلباً بتأثيرات هذه الأزمة شأنه شأن الدولار الأميركي. وقد ذكر محللون اقتصاديون أن استمرار ضعف أداء الاقتصاد البريطاني ربما يرغم البنك المركزي الإنجليزي على شراء السندات الوطنية، وهو ما يتوقع له أن يؤدي إلى حدوث انخفاض أكثر حدة في قيمة الجنيه الذي كان يعد من أقوى العملات الأوروبية والعالمية. والمشكلة أن الحلول التي اتخذتها بريطانيا لمواجهة هذه الأزمة لها تعقيداتها هي الأخرى. فعلى رغم أن بريطانيا خصصت ميزانية حفز اقتصادي كبيرة شأنها شأن بقية دول العالم، إلا أن ميزانيتها العامة تواجه من الضغوط ما دفع الكثير من المحللين للتنبؤ بأنها ربما تضطر لإجراء تخفيضات مؤلمة في بنود إنفاقها. غير أن هذا الإجراء سيمارس ضغوطاً سلبية على الاقتصاد البريطاني في وقت لا يزال يصارع فيه من أجل الخروج من دوامة الأزمة الحالية، ولا يظهر من القدرة على تجاوز تبعاتها مثلما تظهر اقتصادات أوروبية أخرى منافسة. فعلى امتداد عدة سنوات، ظل نمو العائدات الاقتصادية يعتمد على ازدهار أسواق لندن المالية، كما يقول ستيفن كنج، الاقتصادي الرئيسي لدى مجموعة بنك "إتش إس بي سي" بلندن: "ولكن المشكلة أن هذه العائدات قد جفت الآن، وهو ما يرغم الميزانية العامة على التفكير في إجراء خفض كبير في حجم الإنفاق. وبهذا فإن من المتوقع أن تتبنى الحكومة سياسات تقشف اقتصادي ربما تمتد لبضع سنوات من الآن". وتحمل كل هذه الأنباء السلبية عن أداء الاقتصاد البريطاني وتراجعه المستمر، تحديات كبيرة لحكومة رئيس الوزراء جوردون براون الحالية. يذكر أن براون قد سجل اسمه في قائمة أقل القادة البريطانيين ورؤساء الوزراء شعبية اليوم في بلاده. ومع ذلك فهو يأمل في إجراء انتخابات عامة مبكرة بحلول شهر يونيو المقبل، على أمل التغلب على المصاعب السياسية، حتى لا يدفع حزبه زمن الأزمة مرتين. ولا يزال الأمل يراود براون في أن يتمكن حزبه -حزب العمال- من التعافي من سلسلة الأزمات والكوارث السياسية التي حلت به، ما أدى إلى تراجع شعبيته في أوساط الناخبين واستطلاعات الرأي العام التي بدت أكثر تأييداً ووعداً بفوز "المحافظين" الآن. وعلى رغم هذا الأفق المظلم الذي يلوح أمام مستقبل براون وحزبه، إلا أنه لا يزال يتشبث بخبرته السابقة والدور الذي أداه في تعزيز أداء اقتصاد بلاده حين كان وزيراً لخزانة حكومة توني بلير، آملا أن تساعد تلك الخبرة على تقديمه مرة أخرى لجمهور الناخبين البريطانيين على أنه الشخصية المثلى لمواجهة الأزمة الحالية التي يشهدها اقتصاد بلاده، وإخراجه من تأثيراتها السالبة المدمرة. ينشر بترتيب خاص مع خدمة «لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست»
المصدر: لندن
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©