الاتحاد

تقارير

«الأحد الدامي»... توابع هجمات ما قبل الانتخابات

يكشف الانفجاران اللذان دمرا ثلاثة مبانٍ حكومية، وقتلا 132 شخصاً أول من أمس الأحد، عن استراتيجية عنف جديدة، يجري استخدامها في الصراع على السلطة في بغداد قبل الانتخابات المقبلة، وهي توجيه ضربات مدوية لزعزعة الثقة في قدرة المالكي على تأمين البلاد، عندما تسحب الولايات المتحدة قواتها... كما يقول المسؤولون والمراقبون.
والحال أن هجوم الأحد الذي تمكنت فيه السيارتان الملغومتان، اللتان استخدمتا في التفجير من تخطي شبكة طرق وموانع معقدة، في ساعة الذروة الصباحية، هو الأسوأ في بغداد منذ عام2007. وقد تمكن المتمردون في هذا الهجوم، والهجوم الذي وقع في 19 أغسطس الماضي، وأسفر عن مصرع 100شخص، من تدمير صف من مباني الوزارات، التي تشكل أركان الحكم، وهي الخارجية، والمالية، والعدل، والبلديات والأشغال العامة، ومجلس محافظة بغداد، التي تقع جميعاً في منطقة محصنة بقوة وسط العاصمة.
وعلى النقيض من الهجمات السابقة على المساجد والمطاعم والأسواق المكتظة بالمارة، التي كانت تهدف إلى إثارة الصراع الطائفي، تبدو الهجمات التي تمت أول من أمس، وكأنها تسعى لتحقيق هدف سياسي بالغ الخطورة. ففي الانتخابات المقرر إجراؤها في يناير المقبل، يرهن المالكي مستقبله على استرداد شيء من الأمن لبلاده التي مزقتها الحرب.. ولكن في ذلك اليوم الدامي الذي اختلطت فيه الدماء، والأنقاض، التي يتصاعد منها الدخان، وفارت فيه المياه المتدفقة من محابسها الرئيسية المنفجرة، يبدو هذا الأمل، وكأنه قد تحطم تماماً مثله في ذلك مثل واجهات المباني المهشمة التي استهدفها الهجوم.
تقول "وحدة الجميلي" وهي عضو مجلس محافظة بغداد، ومعارضة للمالكي في إشارة للانفجارات: "إنها تمثل رسالة واضحة لحكومة المالكي بأنها لا تستطيع السيطرة على الأوضاع".
وبعد ساعات من وقوع الهجومين اللذين لم يفصل بينهما سوى دقيقة واحدة، زار المالكي موقع الانفجار الذي تحولت فيه السيارات التي علقت في الزحام المروري إلى قبور، حيث احترق ركابها، واختلطت رائحة جثثهم برائحة الديزل المشتعل. وكما حدث في شهر أغسطس الماضي، ألقى المالكي بمسؤولية الهجوم على أعضاء سابقين في حزب "البعث"، وعلى تنظيم "القاعدة" في العراق، على رغم أن البعض -في ضوء حالة عدم اليقين السائدة في بغداد- وجهوا اتهاماتهم ضد جميع الأحزاب العراقية تقريباً، وضد بعض الدول المجاورة أيضاً.
وقال المالكي في بيان وزعه مكتبه: "إن الأعمال الإرهابية الجبانة التي وقعت اليوم يجب ألا تُضعف تصميم العراقيين على مواصلة مسيرتهم، ومحاربة أتباع النظام البعثي السابق، والقاعدة".
وفي واشنطن أدان أوباما الهجمات التي وقعت في بغداد، وقال في تصريح له إن الولايات المتحدة ستقف مع الشعب العراقي وحكومته، كصديق حميم وشريك، في هذا الوقت الذي يستعد فيه هذا الشعب للانتخابات المقبلة مطلع العام المقبل.
وقد وقعت تلك الانفجارات في لحظة هشة من لحظات الحياة السياسية العراقية، كان يتعين فيها على البرلمان الموافقة على تشريع لتنظيم الاقتراع المقرر إجراؤه في 6 يناير، غير أنه تأخر في ذلك، على رغم أن الولايات المتحدة والمنظمة الأممية قد حذرا من أن الوقت يكاد يوشك على النفاد.
كما اشتكى بعض المنتقدين لنظام المالكي من أن بعض كبار المسؤولين المكلفين بالمحافظة على الأمن يبدون أكثر انشغالا بالانتخابات منهم بإدارة دفة الأمن في البلاد. وتقول أسماء الموسوي، وهي عضو في البرلمان تنتمي إلى كتلة متحالفة مع رجل الدين الشيعي "مقتدى الصدر" الذي يمثل أتباعه بعضاً من متحديّ المالكي الرئيسيين في الشهور المقبلة: "إن المسؤولين عن الأمن منشغلون بالسياسة... وفي الوقت الراهن نجد أن الجميع يتهمون الجميع".
وعلى رغم أن العنف بشكل عام قد تقلص في مناطق العراق، إلا أن الهجمات التي وقعت في أغسطس الماضي وتلك التي وقعت أول من أمس الأحد، تكشف عن براعة ملحوظة في التخطيط والتنفيذ، على رغم الحماية والتحصين اللذين تحظى بهما المباني التي تم استهدافها.
ويعلق "عباس البياتي" وهو عضو شيعي في البرلمان، ينوي خوض الانتخابات ضمن قائمة كتلة المالكي في يناير المقبل: "لقد كان هذا الهجوم دموياً ومؤلماً... وهو ما يجعلنا بحاجة إلى إعادة تقييم لأوضاعنا الأمنية وإعادة نشر قواتنا المسلحة، والحصول على مساعدة فنية من الأميركيين".
وفي الهجمات السابقة قبضت حكومة المالكي على عدد من رجال الجيش والشرطة واتهمتهم بالإهمال، كما سارع المسؤولون للزعم بأنهم قد قبضوا على الجناة وأودعوهم السجون، وعرضوا فيلماً مصوراً لرجل يعترف بالمسؤولية عن تنظيم الهجوم، غير أن الأميركيين ألقوا ظلالا من الشك -فيما بعد- على صحة عمليات القبض، وعلى الاعترافات.
وفي ذلك الوقت أيضاً، واجه المالكي انتقادات مؤداها أن إدارته قد قلصت الإجراءات الأمنية في بغداد بشكل سابق لأوانه. كما وجه منتقدوه إليه اللوم بسبب ثقته المبالغ فيها في استعدادات قواته الأمنية للحفاظ على الأمن والاستقرار بعد انسحاب القوات الأميركية من المدن الرئيسية.
أما في الشارع فقد بدت المشاعر وكأنها تتفاعل مع توابع الانفجارات، حيث أبدى معظم الناس تشككاً في قدرة الحكومة على حماية بغداد.


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست»

اقرأ أيضا