الاتحاد

ثقافة

عبد العزيز جاسم ينجز دونما اتجاه يحطم القلب نفسه

عبد العزيز جاسم

عبد العزيز جاسم

يستعد الشاعر عبد العزيز جاسم حاليا لإصدار منجزه الشعري الثاني وهو عبارة عن كتاب شعري سوف يصدر خلال معرض أبوظبي الدولي الثامن عشر الذي سيقام خلال الفترة من الحادي عشر وحتى السادس عشر من مارس المقبل ، تحت عنوان'' دونما اتجاهٍ يحطِّم القلب نفسه'' وهو عبارة عن مجموعتين شعريتين في كتاب واحد تحمل المجموعة الأولى عنوان'' ممددا على الشفرات'' والثانية بعنوان '' افتح تابوتك وطر''·
وقد كتبت نصوص المجموعتين بين مدن عدة خلال الفترة من 1991 وحتى ،2000 ومن هذه المدن: كرتاخينا الأنديز (كولومبيا)، الرباط، طنجة، أبوظبي، ورأس الخيمة، وتزيد صفحات الكتاب عن 400 صفحة من القطع المتوسط، وتتراوح القصائد بين النص القصير المكثف، والقصائد الطويلة ذات النفس الملحمي والقلق الوجودي الذي عاشه الشاعر خلال تلك السنوات، ويأتي هذا الكتاب الشعري بعد ثلاثة عشرعاماً من صدور مجموعته الشعرية الأولى عن دار الجديد في بيروت تحت عنوان '' لا لزوم لي ''
كما يعد الشاعر عبدالعزيز جاسم لإصدار كتابين آخرين الأول تحت عنوان '' طنين جهنَّم، تأملات حول الثقافة المخنوقة''، وهما عبارة عن دراسات ومقالات نقدية، تشتبك بقضايا الراهن الثقافي والفكري في تجلياتهما ومظاهرهما الأعمق، على المستوى المحلي والعربي والعالمي·
أمّا الكتاب الثالث فهو بعنوان '' المستوحِّد في مشغلهِ: نصوص مختارة''؛ وهو عبارة عن مقالات نشر قسماً منها في عموده الأسبــوعي '' شتــــــات''، بين 87
و ،2004 في عدة صحف محلية منها '' الاتحاد''؛ بينما يغطي القسم الآخر مقالات مختلفة نشرت على فترات متباعدة·
ويتوقع أن يصدر الكتاب الشِّعري، خلال معرض الكتاب المقبل في أبوظبي، على أن تتبعه بقية الكتب خلال العام الجاري عام 2008 ·
من أجواء كتابه الشِّعري، هذه القصائد القصيرة والمكثفة:
(القُرْصان)
منذُ قَرْنٍ لم يفتحْ فَمَهُ· لم يَفتحْهُ حتَّى للأكْلِ ربَّما، ولَمْ يُنادي على أحَدٍ مُطلقاً، ساكنُ الدَّار الخَرِبَةِ بِعُقُوصِهِ البَيْضاءِ· مَنْ عاشَ وحِيْداً في مَفْرقِ الأذَى وفَلَواتِ الهَبَابِ· يُنَظِّفُ بُنْدُقِيَّتَهُ في كلِّ يَومٍ ويُحدِّقُ هادئاً كعُيُونِ نَهْرٍ قديم، لا تَجِدُ أَحَداً يُرافقهُ، وما مِنْ أَحَدٍ عَرَفَ لونَ عَيْنَيْهِ· كانوا يُسمُّونهُ القُرْصَانَ، كانوا يُسمُّونهُ الزَّعيمْ! إلاّ أَنَّهُ بصنْدَلٍ من جِلْدِ السِّنَورِ، وبعُكَّازٍ مثلَ ضَرّابَةِ النَّاقوسِ؛ كانَ يمشي مُلثَّماً كساريةِ مَركبٍ مُغادرٍ دوماً·

لم يَكُن بَغلُ الحانوتيِّ يَصْهلُ عندَ مرورهِ، وشَجر السِّدْرِ تعلَّمَ أَنْ يَنْحني أمامَهُ· الشَّاهِيْنُ يَقِفُ على كَتْفهِ ولا يَجرحُهُ، والنَّاسُ لا يُلوحونَ لهُ ولا يَصرُخُون خشيةَ إزعاجهِ· مأذُونٌ بولايةِ نَفْسهِ وتَنَفُّسِهِ· لا يُخالِطونَهُ ولا يُخالطهُمْ· لا يَقْتربُ ولا يُقَرِّبُ· لكنَّهُ بلا صَوتٍ، ظَلَّ يَحفُرُ في السِّرِّ نفقاً من أَجلِ شَمْسٍ غارِبَةٍ·
***
حينَ كان صبياً، نَفَضتِ الصّاعِقَةُ يَدَهُ، وحَطَّمَ كَعْكةَ مِيْلادهِ أَمامَ الضُّيُوفِ· وحِيْنَ طَعَنَ الجُنْدِيُّ الأحمر والدَهُ في السّوقِ القديمِ، أطْعَمهُ البَعْرَ وعلَّقهُ كجَدْي مَشنوقٍ في رأسِ المنارَةِ· مِنْ يَوْمِها وهوَ يُغِيرُ على دَمِهمْ· يَظْهرُ لَهُم في الليالي كَشبحِ المآتِمِ· يَثقُبُ قَلْباً أو قَلْبَيْنِ· يَحْرقُ ثُكْنَةً أو ثُكْنتيْنِ· وَيخْتفي في كُهوفٍ لا تَصِلُها الكلاب·
***
فوقَ هَضَبةٍ عاليةٍ، أقاموا لهُ مِشْنَقةً، وأَمروا الفَصائلَ كلَّها بالبحثِ عنهْ· العُملاءُ المَحليّونَ بحثوا عنهُ أيضاً· في لِحَاءِ النَّخِيْلِ· في بُيُوتِ العَناكِبِ· في فُرْجَاتِ الغَابِ· في قُدُوْرِ الطَّبْخِ، بحثوا عنهُ· في وسَطِ الثُّغورِ وبينَ أَكمامِ الظلام· في أقنانِ الدَّجاجِ· في مُخْلاةِ الحُصان· في المُهودِ والجِرارِ والخِيَم· في الهَوادِجِ والنَواعِيْرِ والمَعاجِنِ· في صَناديقِ الجَدّات· في الجِّبالِ والمَقابِرِ والبَراميل· في سُفنِ الصيّادينَ وحبَّاتِ اليَقْطينِ الكبيرةِ· وفي كُلِّ ما يَعْلو، ويَسِيلُ، ويُغَطّى، وَيَتوارى، ويَستَديرْ؛ بحثوا عنهُ، وما وجَدوهُ!

لقَدْ انقَضى ذلكَ الزَّمانُ الآنَ، وماتَ مَنْ ماتَ وعاشَ مَنْ عاش· ولكِنَّنا، نحنُ مَنْ كَبِرْنا تحتَ بُرْجِهِ· مَنْ لَمَسْنا بقاياهُ· مَنْ عِشْنَا مَعَهُ تَحْتَ سَماءٍ مَعْصورَةٍ كقَمِيصٍ مَغْسولٍ دونَ صابون· نحنُ من واريناهُ تُرابَ التَّلِّ وصَلَّيْنا عليهِ في العاصِفَةِ الشِّتْويَّةِ· ما زِلْنا نَصْعدُ مَرْقى ذاكَ التَّلِ المَهْجورِ، لنَراهُ يَجلسُ وحيداً بلثامهِ فوقَ قَبْرهِ، وبِمواجَهةِ البلادِ الَّتي نَسيتْهُ تماماً: يُقشِّرُ النّورَ بأصابعهِ، ويَحْشرُ العالَمَ في كومَةِ تِبْن·
(لم يكن هناك)
طَرَقُوا بَابهُ يوماً، وأَهْدُوهُ تابوتاً من حَدِيْدٍ· ولكنّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكْ· غَطَسُوا في الأنابيْبِ، كي يُباغِتُوهُ عندَ الحنفيَّةِ· مَنَعُوا عنهُ خُبْزَهُ اليومي· تَهامسوا عنهُ في الظلام· قلبُوا حياتَهُ· شَطَبُوا اسْمَهُ· أجلسوهُ على الرصيف· حَطمُوا شُعْلَتَهُ ومزقُوا محبّتَهُ، ولمْ يستطيعوا نَزْعَ وردةِ الصَّمتِ من فَمِهِ· ألَّبُوا الكلابَ كُلَّها ضِدَّهُ، حتَّى تلكَ التي كان يُرَبيِّها في بيتهِ· طعنُوا حياتَهُ ألفَ طعنةٍ· حاصروهُ بينَ مَخْرَجٍ ومَخْرجْ· قالُوا بأنَّهُ ماتْ· دُفِنَ· وانتهى أمرُهُ·
إلاَّ أنهُ أيضاً لَمْ يكُنْ هُناك· لم يكُنْ هناكَ بالمرَّةِ· كانَ ينشرُ قُلُوعَهُ في قارةٍ بعيدةٍ· يستحمُّ في زَمَنٍ حَيٍّ ويتنفَّسُ كحُوْتِ المُحيط· وكانَ ينامُ في أيقُونةِ طَنْجَة، مع مِلْيارِ حُلْمٍ تحتَ الوسادَةِ· يَنْثُرُ رَمادَ ماضيهِ من عُلُوِّ '' رأسِ سْبَّارْتِيل'' ، ويُفْرِغُ مَثَانَتهُ على فيلمِ الصحراءِ البغيض· يَغْسلُ عُيُونَهُ بالبَرَدِ القادمِ منْ وراءِ البِحار· ينظُرُ منْ سطْحِ نُزُلِ '' الفلانْدريةِ''، لصديقاتهِ يتواريْنَ في الزُّقاقِ كفصيلِ إعدامٍ· يُشْعِلُ غُلْيُونهُ، ويقُولُ لنفسهِ:
هنا أعيشُ وهنا أُدْفنُ!
ينزلُ بهدوءٍ في هَبْطَةِ شارع البولفار، حيثُ البَصَّاصينَ على كراسيهِمْ كالعادةِ· يَمشي مُنتشياً مع سِتِّ قناني'' سِبِّسْيَالْ'' تفُورُ في رأسهِ· يُصافِحُ صديقاً أو صديقينِ، عيونُهُم أَصْفى من القرطاس· يشتري صَحيفةً، وخبزَ كومير، وعجينةً صفراءَ غذاءً لدماغهِ· يُنادي على العَسَّاس إدريس في دَرْبهِ· يُنْقُدُهُ خمسةَ دراهمٍ كي لا يعوى في الساعةِ الواحدةِ على ذئابِ اللَّيلْ· يكتبُ قصيدةَ الرَدْمِ على ضوءٍ خافتٍ· وفي الصباحِ، وفيما العَبّارات تمضي نحو ضفافِ أسبانيا وتؤوب، والأمطار تهطلُ كنِعْمَةٍ لا تُرَدُّ· يَقطعُ الشاطئَ الطويلَ على حِصانٍ واحدٍ مع مَلِيْكَتِهِ، ويَرْمِي فُتاتَ الخُبْزِ للطيُورْ·
هضبة عالية على طريق منطقة أشقر في طنجة·

اقرأ أيضا

فضاءات وأبعاد وأسئلة تحت سقف التجريب.. «فن أبوظبي» جدلية الحياة