الاتحاد

تقارير

تحرشات إيران في الخليج··· آلية عسكرية قديمة

تحرشات إيران في الخليج··· آلية عسكرية قديمة

تحرشات إيران في الخليج··· آلية عسكرية قديمة

لقد أثارت المواجهات البحرية التي جرت خلال الشهر الحالي في مياه الخليج العربي، بين السفن الحربية الأميركية والقوارب الصغيرة التابعة لقوات الحرس الثوري الإيراني، دهشة الكثيرين هنا في أميركا، إلا أنها لم تكن مثار دهشة بالنسبة لي؛ ذلك أنني شهدت بأم عيني حادثة مماثلة لهذه قبل خمس سنوات، إبان الغزو العراقي·
ففي الرابع من إبريل من عام ،2003 وفي إطار الدعم العسكري لهجوم القوات البريطانية على البصرة بجنوبي العراق، تحركت أربعة قوارب بحرية بأمر من قيادة الوحدة التي كنت أعمل بها، باتجاه شط العرب، وهي المنطقة المائية الحدودية الفاصلة بين العراق وإيران، وكان الضابط المسؤول عن الوحدة حينها، نقيباً بحرياً ذا خبرة كبيرة، وقادراً على تحدث اللغة الفارسية بطلاقة تامة، بحكم كونه قد عاش فترة صباه في طهران، وقد كلفتنا تلك المهمة الكثير من الجهد والعناء، لتفادي حدوث مواجهة بحرية بيننا والقوارب الإيرانية التابعة لقوات الحرس الثوري· فقد لزمنا حدودنا داخل المياه الإقليمية للعراق، إضافة إلى أن قائد الوحدة لجأ إلى رفع العلم الإيراني في أحد القوارب الأربعة، اعتقاداً منه أن من شأن ذلك أن يؤكد للإيرانيين حسن نوايانا تجاههم·
غير أن رد قوات الحرس الثوري، جاء مغايراً جداً لما توقعه قائد وحدتنا، وذلك بإرسالها أربعة قوارب صغيرة باتجاهنا بسرعة هائلة، وكان أسرعها قارب ''بوفامر'' السويدي الصنع، الذي كان مزوداً بالرشاشات الأوتوماتيكية، وما هي إلا لحظات وقد طوقتنا القوارب الإيرانية الأربعة داخل الحدود الإقليمية لمياه شط العرب في الجانب العراقي، وكشف واحد منها على الأقل، عن قاذفة صواريخ متعددة، وجهت صوب القارب الأمامي من قواربنا مباشرة· وبعد جهد ولحظات سادها التوتر، تمكن قائد وحدتنا من إقناع الإيرانيين بأننا لم نمارس سوى حقنا في الإبحار في المياه الإقليمية للعراق، وأننا لا ننوي تخطي تلك الحدود، أو الدخول في أي مواجهة معهم، وعليه فقد تلقينا أمراً بالانسحاب من قائدنا، إلا أن القوارب الإيرانية الأربعــة، قطعــت شوطاً بعيداً في متابعتنا خلال عمليـــة الانسحـــاب هذه، متخطية بذلك حدودها الإقليمية عميقاً إلى داخل المياه الإقليمية العراقية، قبل أن تعود أدراجها صوب إيران·
فيما يبدو اليوم، فإننا نواجه مضايقات مماثلة من الجانب الإيراني، ففي ديسمبر الماضي، اضطرت سفينة ''وايلدباي'' الحربية المرابطة في مياه شط العرب، الى إطلاق طلقات إنذار لقارب إيراني اقترب منها كثيراً، وبعد ثلاثة أيام فحسب من تلك الحادثة، اضطرت السفينة الحربية ''كار'' المرابطة في المياه نفسها، إلى إطلاق بوق الإنذار لثلاثة قوارب صغيرة إيرانية، كان اثنان منها مسلحين على حد قول أحد الناطقين الرسميين باسم سلاح البحرية· ربما لا تبدو هذه التحرشات مثيرة لقلق أولئك الذين لم تسبق لهم المشاركة في خوض الحروب الحديثة التي تتسم بمثل هذه التحرشات، إلا أنها في حقيقة الأمر، تظل مثيرة للكثير من القلق، لكونها تصب في ذات النمط الحربي للاستراتيجية العسكرية التي تبنتها إيران خلال العقدين الماضيين، في إطار مقاومتها للوجود الأميركي في مياه الخليج العربي؛ وبصفتي مؤرخاً عسكرياً محترفاً، يعمل بالقيادة المشتركة لرؤساء أركان الحرب في البنتاجون، فإنني أعبر عن رأيي الشخصي، الذي ليس بالضرورة أن يمثل وجهة نظر وزارة الدفاع· وفي اعتقادي أن النظر المتأني لحوادث الماضي هذه، يساعد في إلقاء بعض الضوء على استراتيجية إيران التي تحدثت عنها·
إذا ما تتبعنا سلسلة الحوادث والتحرشات البحرية الإيرانية منذ ثمانينيات القرن الماضي وإلى اليوم، فإننا نجد ما يؤكد بالدليل القاطع، أن طهران لم تكف طوال العشرين عاماً الماضية، عن تحرشاتها المذكورة، التي تتعمد خلالها اختبار ما يمكن أن ''تبتلعه'' القوات الأميركية، وما لا تقبله من هذه التحرشات؛ وحتى إذا ما قبل المرء بالتبرير الإيراني للمواجهة الأخيرة التي حدثت خلال الشهر الجاري، باعتبارها عملاً روتينياً لم ينتج عنه أي ضرر لأي من الطرفين، إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة اقتراب السفن الصغيرة الإيرانية بمدى يقدر بـ500 ياردة فحسب من سفننا الحربية، وفي مدى كهذا، يقع ملاحونا في المسافة الملائمة تماماً للمقذوفات الصاروخية والرشاشات الأوتوماتيكية الإيرانية؛ وفي المدى نفسه، تكون السفن الإيرانية قد نجحت في تحييد سفننا عن استخدام الأسلحة الأكثر تطوراً، التي تتطلب مسافة أبعد من هذه·
هذا ما يدعوني إلى صحة وصف الرئيس ''بوش'' لأفعال إيران هذه بأنها ''استفزازية''، وكذلك في أمره لوزارة الخارجية بتوجيه إنذار رسمي لطهران، من عواقب جدية فيما لو واصلت قواربها الصغيرة أفعالها هذه، وفي حين تصدر الأوامر لقوات الحرس الثوري من حكومة طهران، إلا أن قادته يتمتعون بقدر كبير من الاستقلالية، وعليه وأياً كانت دوافع التحرشات البحرية الأخيرة هذه، وهو ما لا يزال واجباً على الولايات المتحدة وحلفائها الكشف عنه، إلا إن على طهران فرض سيطرتها على كافة القوات النظامية التابعة لها، وتحمل مسؤوليتها كاملة إزاء تصرفات هذه القوات· وفيما لو اعتزمت طهران الدخول في مواجهة بحرية معنا، فإن على استجابتنا العسكرية أن تكون فاعلة ومحددة، بحيث تزيل الخطر الذي تمثله على البحر، إلى جانب تقليص احتمالات تطور مواجهة كهذه إلى حرب أوسع نطاقاً معها، هذا وتشير وقائع التاريخ، لا سيما حوادث عام ،1988 فإن استخدام القوة المحسوبة هذه ليس ممكناً فحسب، بل فاعلاً أيضاً·
وفي حال تطور هذه التحرشات إلى تبادل متفرق لإطلاق النيران بيننا والإيرانيين، فإنه ليس مستبعداً أن تكون جزيرة أبو موسى، القريبة من مضيق هرمز، والتي تسيطر عليها إيران، وكذلك جزيرة ''فارسي'' القريبة من الكويت، أهدافاً منطقية لاستجابة عسكرية محسوبة كهذه من جانبنا، والسبب أن لقوات الحرس الثوري قواعد عسكرية في كلتيهما، إضافة إلى كونهما ترساً من تروس الآلية العسكرية الإيرانية، منذ وقت ليس بالقريب في مياه الخليج العربي· وفيما يتصل بجزيرة أبو موسى الإماراتية فهي محتلة من قبل إيران· وفي حين لا يزال يتخوف البعض من أن تؤدي أي مواجهة عسكرية مع طهران، إلى توسيع نطاق الحرب، أو إلى تصعيد الهجمات الإرهابية علينا، إلا أن الدرس الذي تعلمته طهران جيداً من خلال المواجهة المحدودة والمحسوبة معها في عام ،1988 هو ارتداعها والكف عن تحرشاتها بنا حينئذ· بل تؤكد شواهد التاريخ، أن لهذه الاستجابة العسكرية المحدودة، أثرها الفاعل على تعديل سلوك طهران، إضافة إلى كونها وسيلة للحيلولة دون اتساع نطاق المواجهة معها·

مؤرخ عسكري في وزارة الدفاع الأميركية
ينشر بترتيب خاص مع صحيفة نيويورك تايمز

اقرأ أيضا