الاتحاد

الإمارات

قسم رعاية أحداث المفرق··· سجن بخمس نجوم

نزلاء في قسم رعاية الأحداث في المفرق

نزلاء في قسم رعاية الأحداث في المفرق

في قسم رعاية الأحداث في المفرق، يحوز ''المذنبون الصغار'' على كل ما يحتاجونه، من تغذية وترفيه وتعليم وتدريب، لكنهم يفتقدون الشيء الأهم بالنسبة لأي إنسان وهو الحرية·
ويتربع القسم، الذي يمثل نموذجاً للمراكز العقابية المتطورة في الشرق الأوسط، على ربوة في منطقة المفرق في ضواحي مدينة أبوظبي، ''هو سجن، لكنه يركز على التأهيل، أكثر مما يركز على العقاب''، كما يردد القائمون عليه·
يؤكد رئيس القسم بالإنابة النقيب حمد سباع النعيمي أن ''دورنا في هذه المنشأة تعليمي ولسنا قضاة''· فنزلاء المركز الذين يصل عددهم إلى أربعين حدثاً هم ''ضحايا لظروف مختلفة وليسوا مجرمين''، بحسب النعيمي الذي مضى على عمله في القسم نحو عامين·
وافتتح القسم الذي يتبع لإدارة المنشآت الإصلاحية والعقابية في شرطة أبوظبي، في العام ·1996 وهو مركز احتجاز لمن تقل أعمارهم عن الثامنة عشرة سنة، ممن اتهموا أو أدينوا بقضايا وجنح مثل القيادة بدون رخصة، والسرقات، والاعتداء والتعدي، والتزوير والتسلل عبر الحدود والإزعاج والإتلاف، والقضايا الخلقية·
وتكشف نظرة معمقة للأحداث المحكومين بقضايا السرقة، أن معظمهم ارتكبوا هذه الجريمة ''من أجل المتعة فقط''، في بلد يندر فيه وجود الفقر· ففي حالات كثيرة، يستولي مراهقون على سيارة للقيام بجولة ثم يتركونها، لكن هذا لا يعني عدم وجود حالات سرقة وسطو وتسوّل يكون مرتكبوها على الأغلب وافدين، بحسب إدارة القسم·
وروعي في تصميم القسم الفصل بين النزلاء، الذين يشكل المواطنون منهم نسبة 37,5%، بحسب أعمارهم· فالفئة العمرية التي تقل أعمارها عن 13 عاماً لها عنبر خاص، وكذلك الفئة العمرية بين 14-16 عاماً، والفئة العمرية بين 16-18 عاماً· وبحسب النعيمي، فإن هذا الفصل من شأنه ''الحؤول دون حدوث مشاكل بين الأحداث، أو التأثير على أفكارهم وأخلاقهم''·
وبرغم أن الحراس يتناوبون على حراسة السجن ونزلائه على مدى الساعات الأربع والعشرين، إلا أن الملاحظ أنهم بلا أسلحة، ويتعاملون مع النزلاء ''بمنتهى الرقي''، بحسب النعيمي، الذي يشرح أن حراس القسم مدربون على التعامل الإيجابي مع الأحداث، حيث يختلط المزاح بالاحترام، لضمان أن يسود الطابع التعليمي على أجواء القسم، بعيداً عن فكرة التخويف والعقاب النفسي والبدني·
''آخر ما نفكر به هو تحويل هؤلاء المراهقين إلى مجرمين''، يقول مدير فرع التأهيل في القسم الملازم محمد العبري، مضيفاً أن دراسات القسم أثبتت أن 4% فقط من النزلاء يعودون إلى ارتكاب الجريمة بعد الإفراج عنهم، وهو ما يثبته تراجع أعداد نزلاء القسم من أكثر من مائة قبل سنوات، إلى أربعين شخصاً في الوقت الحالي·
ويبدي المواطن ''أ·س -16 عاماً-'' رضاه عن مستوى الخدمة والتعامل في القسم· يقول: ''لم أشعر طيلة الشهرين اللذين قضيتهما هنا بأني سجين''، لكنه يعبر عن اشتياقه لعائلته وأصدقائه، قاطعاً عهداً بأنه سيبتعد عن المشاجرات مستقبلاً حتى لا يعود إلى القسم·
ويتفق الشاب اليمني الجنسية ''م·ص -16 عاماً-'' بأن أجواء القسم لا تشبه البتة ما تعيشه السجون في بلدان أخرى، مبدياً ندمه على محاولة التسلل عبر الحدود إلى الإمارات ليحظى بفرصة عمل· لكن الندم لن يفيد ''م·ص'' الذي كان يستعد للترحيل خارج الدولة مع قرار منعه من دخول أراضيها مرة ثانية·
وبرغم أن القسم تحجبه أسوار عالية شديدة التحصين ومحاط بصحراء شاسعة، إلا أن لدى المذنبين الصغار كل ما يحتاجونه في الداخل· فلكل نزيل غرفة تضمن له الخصوصية، تحتوي على سرير وخزانة ومكتب إضافة إلى حمام، ويطل على العالم الخارجي من خلال نافذة صغيرة مسيجة·
كما يضم القسم مسجداً وملعباً عشبياً لكرة القدم ومسبحاً مجهزاً وصالات رياضية متنوعة ومكاتب استشارات اجتماعية، إضافة إلى مكتبة تحوي مئات الكتب المتخصصة بالموضوعات كافة·
ويسمح للنزلاء بلقاء ذويهم مرة في الأسبوع في غرف مجهزة· كما تتاح فرصة الاتصال الهاتفي مرتين أسبوعياً·
وإذا ما انتهك النزيل قوانين القسم، فإنه يواجه عقوبات تتراوح بين المنع من الزيارة أو الاتصال بذويه، أو حرمانه من المشاركة في النشاطات التي يقدمها القسم·
وتحرص إدارة القسم على توفير أجواء عائلية للنزلاء، خصوصاً أولئك الذين يفتقدون عائلاتهم· فالمواطن (س·س) -16 عاما- ضحية تفكك أسرته؛ فهو يعيش مع جديْه في مدينة العين منذ وفاة والده وزواج والدته وانتقالها إلى مدينة أبوظبي· ويمتدح (س·س)، الذي أدين في قضية هتك عرض ويقضي حكماً بالحبس منذ مطلع العام الحالي، القسم قائلاً إنه ساعده على تعلم مهارات جديدة، وبالمقابل أعانه على التخلص من عادات سيئة من بينها التدخين·
وفي إحدى قاعات القسم، يلقي مدرس معتمد درساً في المهارات الإلكترونية، ويتحلق النزلاء حول طاولة ترتكز إليها أجهزة الحاسوب، تتنوع أزياؤهم بتنوع جنسياتهم وخلفياتهم الثقافية·
ويعترف اليمني (أ· ض) -16 سنة- بأنه تعلم معنى الحرية منذ دخل القسم، ويقسم بأغلط الأيمان أنه لن يعود إلى الأفعال المشينة التي جرّته إلى خلف قضبان السجن· ولدى سؤاله عن تهمته، يعدل عصامته ويبتسم قائلاً ''أنا هكر''، أي متهم بالسرقة الإلكترونية، ويسهب في وصف كيفية اختراقه لعدد من الحسابات الشخصية في أحد المصارف، وكيف أنه حوّل إلى رصيده 100 ألف درهم، قبل أن تقبض عليه الشرطة وتحكم بحبسه عامين انقضى منهما تسعة أشهر·
لكن النقيب النعيمي يفند أقوال (أ·ض) بقوله إن الأخير يقضي حكماً يتعلق بجريمة هتك العرض، وهو يخجل من ذكرها، لذلك فإنه يلجأ عند استجوابه إلى اختلاق جرائم أخرى يعتبر أنها أكثر احتراماً من جريمته·
ولا تمنع الجريمة التي كانت وراء حبس (أ·ض) من أن يشهد له الحراس بحسن السيرة والسلوك داخل القسم، بل إنهم يؤكدون أنه يسعى إلى أن يكون ممن يشملهم أي عفو مقبل·
ويبدأ اليوم بالنسبة لنزلاء القسم في الرابعة والربع فجراً بأداء جماعي لصلاة الفجر، يعود بعدها جميع النزلاء إلى غرفهم· وفي السابعة والنصف يتوجهون إلى صالات الطعام لتناول وجبة الإفطار، ثم ينخرطون في فصول الدراسة الأكاديمية أو الأنشطة الصيفية لحين موعد صلاة الظهر التي يتبعها تناول وجبة الغداء·
في الساعة الثالثة عصراً، تبدأ الفترة المخصصة لممارسة النشاطات الرياضية، تتخللها صلاة العصر، حتى يحين وقت صلاة المغرب، حيث يتجهز النزلاء بعدها لتناول وجبة العشاء، ومن ثم تأدية الصلاة والجلوس لمشاهدة التلفاز، قبل إطفاء الأنوار والخلود إلى النوم في الساعة العاشرة والنصف ليلاً·
ويشير النقيب النعيمي إلى أن القسم قدم خلال هذا الصيف نشاطات متعددة لنزلائه، تمثلت في تكفل إدارة الطب الوقائي بإلقاء محاضرات في مجال الصحة والوقاية من الأمراض المعدية وسبل الإقلاع عن العادات الضارة مثل التدخين، كما قامت إدارة الإسعاف والإنقاذ بتدريب الأحداث على مهارات الإسعاف الأولية وطرق التعامل مع الحالات الطبية الطارئة·
ويضيف النعيمي أن القسم استضاف محاضرات إرشادية دينية ونفسية حول بر الوالدين وكيفية اختيار الصديق الصالح، كما نفّذ دورة الحاسب الآلي الشاملة بالتنسيق بين إدارة التدريب والتطوير ومعهد المركز العالمي للتدريب·
ونظمت إدارة العلاقات العامة دورة للرسم والخط، إضافة إلى تنظيم قسم المفرق مسابقات وفعاليات ترفيهية مثل مسابقة حفظ القرآن الكريم ومسابقات ثقافية ورياضية متنوعة·
وتتابع إدارة قسم رعاية الأحداث في المفرق وضع النزيل بعد الإفراج عنه، ويبقى قيد المراقبة في بلد يحوي مئات الجنسيات المختلفة، كما تجري دراسات على البيئة الأسرية التي تحيط بالحدث، وإذا ما ثبت أن الجو العائلي يشجع السلوك الإجرامي، فإن الوالدين يخضعان للنصح والإرشاد، بحسب إدارة القسم·

اقرأ أيضا

محمد بن زايد يبحث مع وزير الخارجية الفنلندي علاقات الصداقة