الاتحاد

ثقافة

بابلو نيرودا: مقدمة لشعر العالم

بابلو نيرودا

بابلو نيرودا

محمد عريقات (عمّان)

كثير من الشعراء خاضوا، إلى جانب أعمالهم الإبداعية، في العمل السياسي، وكانوا رموزاً في النضال والثورة، لكن قلّة منهم من نجا بإبداعه من سطوة الشعارات والمقولات الجاهزة، وكان العمل السياسي جزءاً من نشاطهم الثقافي والإنساني وحتى الإبداعي. ومن أشهر هؤلاء الشاعر التشيلي بابلو نيرودا (1904 1973).
كتب نيرودا في الحب كقيمة روحية وجسدية، فأصدر عام 1924 مجموعته الأكثر شهرة «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة»، حيث قدم بها ثورة كبيرة على الظلم الذي يلحق بالجسد، والمهانة التي تطال الروح، أراد عبر قصائد هذه المجموعة أن يطلق سراح الجسد بالحب الذي بدوره سيبعد العالم ولو شبراً واحداً عن حافة النهاية، الحب الذي كان يرى فيه الشاعر فعل مقاومة في سبيل الحرية والبقاء.
وكما أنه أهدى للحب 20 قصيدة، أهدى في نهاية مجموعته الحروب والمجازر المنتشرة في بقاع الأرض أغنية واحدة ذات إيقاع يائس وحزين، فالحرب صانعة المقابر التي تدفن بها الإنسانية وقيم التسامح قبل أن تدفن بها الأجساد التي ماتت دون أن تنتبه ودون أن تعرف كيف أو لماذا؟. أغنية ذات إيقاع حزين ويائس لإدراكه أن آلة الحرب لن تتوقف عن نشر القسوة في العالم والبرودة في الأجساد.
ورغم أن هذا المفهوم الإنساني الذي عمّقه نيرودا في مجموعته المذكورة جعل منه واحداً من أشهر شعراء عصره، وهو لا يزال في العشرين، إلا أن نيرودا سرعان ما انقلب بسبب طغيان الحالة النفسية المؤثثة بالاغتراب والتشاؤم، فكانت انعطافته الفوضوية والعبثية ظاهرة في ديوانه «الإقامة على هذا الكوكب» 1933، وهي قصائد فلسفية حوارية مع الذات المحبطة جراء استمرارية انتشار الموت والدمار في العالم.
سعى نيرودا للخروج من همّه الشخصي والانخراط في العمل السياسي بانتسابه للحزب الشيوعي 1945، وبدأ شعره بالتحولِ من العمق إلى البساطة لإيصال أفكاره إلى الجماهير، واستمر شاعراً سياسياً مطارداً ومنفياً حتى عام 1953، بعد صدور قرار العفو عنه، حيث عاد إلى موطنه، حيث مكنه صفاء ذهنه من مراجعة نتاجه الشعري وعمل على تطوير مفهومه الشعري الأول الذي بدأ الكتابة به.
امتاز شعر نيرودا بالغنائية، وراحت التفاصيل اليومية تظهرُ في قصائده عبر لغة هادئة تصور عمق أفكاره بمفردات بسيطة، وعمل أيضا على تطوير البعد الرومنسي والوجداني والإنساني في قصائده التي نشرت في مجموعاته الشعرية: «إسبانيا في القلب»، و«مئة قصيدة حب»، و«أحجار السماء»، و«القلب الأصفر» التي اعتبرها بعض النقّاد «مقدمة عملاقة لأدب العالم كله».
توفي بابلو نيرودا يوم 23 أيلول 1973. نال جائزة نوبل للآداب قبل وفاته بعامين، بالإضافة للعديد من الجوائز العالمية والأوسمة التقديرية أبرزها جائزة السلام الدولية 1950، ترجمت مجموعاته الشعرية إلى ما يزيد على عشرين لغة، من بينها اللغة العربية، حيث حظيت بمكانة رفيعة لدى النقّاد والقراء العرب.

اقرأ أيضا

«الشارقة للكتاب» تعزز علاقاتها مع إيطاليا