الاتحاد

ثقافة

جمال السويدي: رؤية محمد بن زايد للتعليم أركانها أربعة.. ومَعْنِيُّوها سِتَّة

(يُقدِّم كتاب «محمد بن زايد والتعليم».. الصادر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، شرحاً مفصّلاً، لرؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وليّ عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، للتعليم، كونه يمثل «المستقبل» الذي تتبنَّاه دولة الإمارات العربية المتحدة، تحت قيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله. ويعدُّ الكتاب ــ المكوّن من إسهامات بحثيّة لمسؤولين وعاملين في قطاع التعليم، عملاً مؤسساً وجامعاً، ومٌوجَّهاً لكلّ الشركاء في العملية التعليمية من جهة، ومُميّزاً بوضوح بين الرؤية السياسية لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وبين قراءات الباحثين لها من جهة ثانية، إضافة إلى أنه يقدم إجابات، بعيداً عن الصخب الإعلامي، لأسئلة من مثل: كيف تُقْرَأ رؤية محمد بن زايد للتعليم؟ وما مدى إمكانيَّة تطبيقها؟، وهل هي خطاب سياسي عام أم رهان مستقبلي؟ وما علاقتها بتصور سموه العام لإنتاج أفكار إيجابية؟ وكيف للإمارات من خلال التعليم أن تَرْكَن إلى النوعية؟.. إلخ.
إجابات تلك الأسئلة وغيرها، سيتضمنها هذا العرض في سبع حلقات، متصلة من حيث وحدة الموضوع، ولكنها منفصلة فيما يخصُّ القضايا التي يتطرق إليها كل باحث. وفي ما يلي نص الحلقة الأولى، الخاصة بإسهام الأستاذ الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية:

عرض ــ خالد عمر بن ققه
في مقدمة كتاب «محمد بن زايد والتعليم»، كما هو في خاتمته، يُعمَّقُ الأستاذ الدكتور جمال سند السويدي من وَعْيِنا برؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، للتعليم، انطلاقاً من أن هذا الكتاب يقدم للباحثين والدارسين في مجال التنمية، وصناع القرار، والمهتمين بقضية التعليم في منطقة الخليج العربي والمنطقة العربية، بل العالم كله، دراسة في الرؤية التنموية لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، من خلال أحد أهم جوانب هذه الرؤية، وهو التعليم، لكن لماذا التركيز على رؤية سموه في مجال التعليم وهو صاحب تصور استراتيجي عملي بعيدُ المدى في كل المجالات الأخرى؟ ألا يُعدّ ذلك تجزئة لقضية كلية متعلقة بالتنمية؟ ثمَّ أليس هذا النوع من الكتابة لجهة التركيز على مجال واحد ـ ضمن سياسة وطنية عامة ـ تشويشاً على مستوى التحليل لرؤيةٍ شاملة للتغيير والتطور؟
يبدو أن جمال السويدي، توقَّع مثل هذه الأسئلة، لذلك نجده يقول في مقدمة الكتاب: «يملك صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، رؤية تنموية موسوعية، يقع التعليم في القلب منها، حيث يرى سموه أن التعليم هو صمام الأمان وقاعدة الارتكاز لتقدم الشعوب وتطورها، وأنه لا مستقبل لأي دولة أو شعب أو أمة في عصر المعلومات والانفجار المعرفي من دون العلم، وأنّ من سيفوزون بِرِهَان المستقبل هم الذين يوجهون جهدهم ومواردهم وفكرهم للنهوض بالتعليم، وخلق أجيال متسلحة بالمعرفة، وقادرة على المنافسة الحقيقية في مضمار التقدم العالمي» (ص13).. إذن فالتعليم لدى سموه هو القضية المركزية التي يتم من خلالها تحقيق جملة من الأهداف ذات طابع مستقبلي، هنا يطرح السؤال الآتي: من أين لسمُوِّه هذا الاهتمام بالتعليم؟

خيار حتمي
اهتمام صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد بالتعليم، يرجعه جمال السويدي ـ في إجابة مقنعة ودالة عن السؤال السابق ـ إلى جملة من العوامل، منها: تربية سموه في مدرسة زايد، وعسكريته التي جعلته يدرك معنى الأمن الوطني بمفهومه الشامل، وتمرّسه في القيادة، وتعمّقِهِ في قراءة التاريخ والاستفادة من دروسه، واطِّلاَعِه على تجارب الدول والشعوب قديماً وحديثاً.
من ناحية أخرى، فإن التعليم في رؤية سموه ـ كما جاء في قراءة وتحليل جمال سند السويدي ــ يتعلق بأمور عدة، هي:
أوَّلاً ـ إن التعليم لدى سموه خيار حتمي يتعلق بالوجود نفسه، بحيث لم يعد ـ في ظل التطورات المتسارعة في العالم ــ أمام أيّ مجتمع واعٍ ومدرك لما يدور في العالم وما ينتظر البشرية من تحولات عظمى في المجالات كافة، إلا أن ينخرط بقوة في مسار تطوير تعليمه، حتى يكون مؤهلاً ليس للتعامل مع هذه التحولات ومواجهة ما تفرزه من تحديات فقط، وإنما المشاركة في صنعها وتوجيهها والاستفادة منها واستثمار فرصها أيضاً.
ثانياً: إن التعليم بالنسبة لسموه هو المفتاح الذي يمكن من خلاله التعرف إلى أبعاد الفلسفة التنموية الشاملة لسموّه وجوانبها، وهو ضمانة المستقبل لدولة الإمارات العربية المتحدة في عصر ما بعد النفط، والاستثمار فيه هو الخيار الأمثل من أجل الحاضر والمستقبل، وإن العنصر البشري هو أهم ثروات الوطن، وهذا ما يؤكده صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، دائماً، خاصة في لقاءاته مع المواطنين.
ثالثاً: التعليم هو الطريق لدعم البحث العلمي الذي يعطيه سموّه أهمية كبيرة بوصفه الأساس الذي يمكن الانطلاق منه لإنتاج المعرفة وتوطينها، بدلاً من الاعتماد الكامل على استيرادها من الخارج.
رابعاً: إن التعليم يساعد على بناء اقتصاد متنوع مبني على المعرفة، ومتحرر من الارتهان لموارد النفط، وإنجاز المشروعات الوطنية الكبرى في مجال الفضاء والطاقة المتجددة والطاقة النووية للأغراض السلمية، وغيرها من المشروعات الطموحة التي تبتغي دولة الإمارات العربية المتحدة من خلالها المحافظة على استدامة تنميتها، والمنافسة الجادة في مضمار السباق العالمي.

التَّحصين.. والانفتاح
خامساً ـ إن التعليم في فكر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، هو الضمانة لخلق أجيال إماراتية واعية بالتحديات والفرص في البيئات المحلية والإقليمية والدولية، ومحصنة بالفكر المستنير والانفتاح على العالم، وقيم الوسطية والاعتدال وقبول الآخر، ضد أي محاولات لاختراق عقولها أو التأثير في توجهاتها من قبل القوى أو الجماعات الظلامية والمتطرفة والمتعصبة.
في كل ذلك، لا يكتفي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، بالسعي إلى تحقيق جملة من الأهداف من خلال التعليم، وهي ذات طابع وجودي، واقتصادي ومعرفي ووقائي على النحو الذي رأينا سابقاً، إنما ـ كما يذكر السويدي ـ يسعى إلى تميز التعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة، وفق أرقى وأحدث المعايير العالمية؛ إذْ يعتبره من صميم «الأمن الوطني» للدولة، لأنه يرتبط بديمومة تنميتها، وعقول شبابها، وقدرتها على مواجهة التحديات المحيطة بها، ودورها وموقعها في الإقليم والعالم، ومساهمتها في مسيرة الحضارة الإنسانية، وقوَّتَيْها الصَّلْبَة والنَّاعِمَة.
من ناحية أخرى، يذهب جمال السويدي إلى توضيح الرؤية الشاملة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، في مجال التعليم، بالقول: إن سموه يتبنَّى منهجاً شاملاً يستند إلى العديد من الأركان والأسس التي تمثل منظومة متكاملة للنهوض بالتعليم وتحقيق الأهداف المرجوة من ورائه، يكمن لنا إيجازها في أربعة أركان، هي:
أولاً ــ المعلم: من حيث هو شخص صاحب رسالة حضارية قوامها العلوم والتربية والقيم والأخلاق التي يشكل من خلالها عقول أبنائنا وبناتنا الذين يصوغون صورة الحاضر، ويرسمون ملامح المستقبل، ومن منطلق إدراك سموّه لأهمية المعلم ودوره، يشجع على انخراط المواطنين في مهنة التدريس، لأن حضورهم القوي والمؤثر في هذه المهنة هو مسألة أمن وطني لدولة الإمارات العربية المتحدة.

الرِّهان الأخلاقي
ثانياً ــ المنهاج الدِّراسي، حيث يرى سموّه أن المناهج المتطورة التي تأخذ بأحدث ما أنتجته العقول في المجال التعليمي بالعالم كله، هي الطريق لإنتاج مخرجات تعليمية عصرية ومتميزة في دولة الإمارات العربية المتحدة، مخرجات تنافسية ومُتصلة بشكل حقيقي ومباشر بحاجات التنمية الوطنية، وقادرة على خدمة أهداف التنمية وطموحاتها في الدولة، وفي الوقت نفسه تهتم بتراثنا وحضارتنا وتاريخنا.
ثالثاً ــ الأخلاق؛ إذ يرى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، أنه مهما بلغت الدول من تقدم علمي ومعرفي وتقني، فإن ديمومة بقائها مرهونة بمدى محافظتها على قيمها النبيلة وتمسكها بمبادئها السامية لتواصل طريقها نحو بناء حاضرها ومستقبلها المشرق، وما العلم في جوهره إلا تجسيد وإعلاء للقيم الحضارية والأخلاق الإنسانية.
رابعاً ـ توفير بيئة تعليمية تساعد الطالب على التحصيل، وتفتح أمامه أبواب الإبداع والابتكار من خلال خلق روح المنافسة وإيجاد الآليات التي تتفاعل إيجابياً مع إبداعات الطلبة، وتشجعهم على التفكير بعقل مفتوح، وتتيح أمامهم المجال للانفتاح على العالم الخارجي والاطلاع على العلوم الحديثة في المجالات كافة.

أطراف التنفيذ
في خاتمة الكتاب، وهي ذات صلة بما جاء في المقدمة، يُحِيلُنا جمال السويدي إلى مسألة في غاية الأهمية، تتعلق بتحويل رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد إلى واقع عملي، حتى لا تبقى في محيط التصور والتنظير، وأيضاً حتى يتم تحقيق الأهداف المرجوة التي يتطلع إليها سموه، وهي: الجهات والمؤسسات التي عليها تنفيذ رؤيته لتحقيق استدامة التنمية في بلادنا، ومن ثم فإن الخطوة الأولى في النهوض بهذه المسؤولية هي الوعي الكامل لكل المسؤولين في حقل التعليم بدولة الإمارات العربية المتحدة والعالم العربي بأن المستقبل كله مرتبط بالتعليم والنجاح في النهوض به، وأن المسؤوليات الملقاة على عاتقهم في هذا الشأن تتصل بموقع الدولة على خريطة العالم، وقدرتها على المنافسة بين الدول المتقدمة، وضمن هذا السياق يمكن الإشارة ــ كما يقول السويدي ـ إلى أهم الجهات المعنية بتنفيذ رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، حول التعليم، وهي ستة أطراف فاعلة:
الأسرة، بوصفها مؤسسة التنشئة الاجتماعية الأولى، والمصدر الأول لزرع القيم والأفكار والتوجهات في عقول النشء والشباب.
المؤسسات التعليمية، تتمثل في المدارس والجامعات والمعاهد وغيرها، سواء الحكومية منها أو الخاصة، وهي المؤسسات المعنية بشكل رئيسي بتنفيذ رؤية تطوير التعليم، ولذلك فإن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، يعطي هذه المؤسسات أهمية خاصة، ويتوجه بخطابه التعليمي إليها في المقام الأول، وهي بحاجة إلى العمل وفق منهج يقوم على التطوير المستمر لآليات العمل والمناهج وأساليب التدريس وكل ما يتعلق بمنظومة التعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة، والتفاعل الخلاق مع المجتمع بمؤسساته الاقتصادية والإعلامية والدينية وغيرها، والاطلاع المستمر على التجارب الرائدة في العالم في مجال تطوير التعليم والنهوض به، وجعله القاطرة الرئيسة للتنمية، ولعل تجربتي كوريا الجنوبية وسنغافورة، على سبيل المثال، من أكثر التجارب إفادة في هذا الشأن؛ إذ تتعلقان بدول أو مجتمعات انتقلت من مصاف الدول النامية أو المتخلفة إلى مصاف الدول المتقدمة من خلال التعليم.
القطاع الخاص، عليه مسؤولية كبيرة للارتقاء بمنظومة التعليم، سواء من خلال دوره المباشر في إنشاء المدارس والجامعات، أو دوره في دعم البحث العلمي وتقديم المنح الدراسية إلى الطلبة المتفوقين، أو تبنّي اختراعات الشباب وإبداعاتهم في المجالات المختلفة التي يمكن أن يسهم من خلالها في دعم المنظومة التعليمية كما يحدث في الدول المتقدمة حول العالم.
ــ مراكز الدراسات والبحوث، لِماِ لها من دور مهم في تقديم الدراسات والبحوث، وإقامة الندوات والمؤتمرات التي ترفد من خلالها حقل التعليم بأفكار ورؤى للتطوير والنهوض، وتُسْهِم في دراسة تجارب النهوض بالتعليم في العالم والاستفادة منها، وتنبّه على جوانب القصور وكيفية التعامل معها، ولا شك في أن الدور الأهم لمراكز الدراسات والبحوث في هذا الشأن هو تسليط الضوء على الجوانب الحضارية في رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، حول النهوض بالتعليم وربطها بمنظومة التنمية الشاملة، والأهم ربطها بمستقبل الإمارات.

مستقبل عربي آمن
التعليم الحكومي، كونه يتولَّى الدور الأساسي في تنفيذ رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، في الارتقاء بالعملية التعليمية؛ وعلى عاتقه تقع المسؤولية الكبرى للنهوض بالتعليم، بما ينطوي عليه ذلك من استحقاقات بالنسبة إلى المؤسسات التعليمية الحكومية ومناهجها وطريقة عملها، وطبيعة نظرتها إلى الدور الحضاري الذي تقوم به. المعلم، باعتباره أحد أهم الجوانب التي يهتم بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، هو تعزيز دور المعلم المواطن وتشجيع المواطنين على الانخراط في مجال التدريس، لأن هذا المعلم المواطن هو القادر على الوفاء باستحقاقات المنظومة التعليمية التي تجمع بين اعتبارات العصر، بكل ما يقتضيه ذلك من تطوير وتحديث، والحفاظ على القيم والعادات الأصيلة والخصوصيات الحضارية الراسخة للمجتمع الإماراتي.
وينتهي السويدي إلى نتيجتين، الأولى: أن هنالك جهات كثيرة، منها: المؤسسات الديّنية، والإعلامية، ومؤسسات المجتمع المدني شريكة في النهوض بالتعليم تنفيذاً لرؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، والنتيجة الثانية: أنه لا يمكن النظر إلى رؤية سموه في مجال التعليم، ضمن سياقها المحلي الإماراتي فقط، لأنها تقدم دروساً مهمة لتطوير التعليم والنهوض به على المستويين الخليجي والعربي أيضاً، حيث يؤمن سموّه بأن التعليم هو مستقبل العالم العربي وصمام أمانه، ولذلك يُشجٍّع على تطويره والارتقاء به في المنطقة العربية كلها.

اقرأ أيضا

فضاءات وأبعاد وأسئلة تحت سقف التجريب.. «فن أبوظبي» جدلية الحياة