الاتحاد

الملحق الثقافي

إرهاب النقد!

«الناقد» عمل تركيبي للفنان آرثر دوف (1925)

«الناقد» عمل تركيبي للفنان آرثر دوف (1925)

على هامش الأمسيات الثقافية، وفي الكواليس التي تجمع الأدباء والكتاب تثار قضايا ثقافية متنوعة، وتطرح إشكاليات ذات طابع جدلي، من ذلك شكل العلاقة بين النقد والمبدع، حيث يتداول عدد من الأدباء فكرة مفادها أن «النقد بحاجة إلى نقد». وفي هذا التحقيق نسعى لاستطلاع آراء الأدباء والمثقفين والنقاد في العلاقة بين الطرفين، وإلى أين وصل النقد على الساحة الأدبية اليوم، وهل يقصي النقد الكاتب فيمنعه من الإقدام على عمل جديد، أم هل يقصي الكاتب النقد ويحصره في زاوية ضيقة تتعلق في حدود الرأي الشخصي، هل هناك صيغة توافقية للارتقاء بالنقد كأداة تقويميه للمنتج لا أداة هجوم في يد الناقد يشرعها بوجه الكاتب كمتّهم، وتجعل من الكاتب يقبل النقد برحابة صدر وثقة تامة بأهميته في تطوير المخرج الأدبي والمهارة الشخصية له.

سوقه غير رائج

الكاتب والأديب عبدالغفار حسين يرى أن «سوق النقد غير رائج على الساحة الثقافية المحلية»، لافتاً إلى أن «النقد الموضوعي للعمل المقدم والابتعاد عن النقد الشخصي للكاتب هو الأساس الذي يقوم عليه النقد الموضوعي»، وهو ما حرص على ممارسته كناقد للعمل هادفاً، كما قال، «إلى تقويم المنتج من ناحية المعلومة أو الفكرة أو الأسلوب».

مع ذلك، لم يكف الحرص ولم تنجح الموضوعية في أن تجنبه بعض تداعيات العمل النقدي، فتجربته الخاصة مع النقد الأدبي أسفرت عن خسرانه لعدد من الصداقات، مبدياً أسفه لأنه «لم يلق قبولا وسعة صدر من قبل صاحب المنتج الأدبي».

ضرورة وحاجة
من جهتها، ترى الدكتورة حصة لوتاه أن النقد «حاجة ضرورية تزدهر بازدهار الحركة الثقافية والفكرية، وهو عملية إعادة قراءة للمنتج بشكل متعمق».

وتضيف: «إذا ما نظرنا إلى وضع النقد على الساحة العربية بشكل عام نجد ان ممارسة النقد اكثر تطورا في المغرب العربي عنها في المشرق، وبنظرة أضيق وعلى الصعيد المحلي نجد مجموعة من الناقدات من حملة الشهادات الأكاديمية المتخصصة وهو امر مهم ومطلوب للنقد العلمي المحكم والسليم».

غياب العمالقة
يعلي الكاتب والناقد عبدالإله عبدالقادر من شأن النقد، ويؤكد أن «النقد يمتلك أهمية كبيرة في الجانب الإبداعي، فعلى سبيل المثال يقول رومان رولان في أهمية النقد المسرحي، إن المسرحية تُكتب خمس مرات، الأولى بقلم الكاتب، والثانية بأدوات المخرج، والثالثة بإحساس الممثل، والرابعة بانعكاسها على المتلقي، والخامسة بقلم الناقد، وبالتالي لا يكمل تقويم المسرحية إلا بهذه السلسلة الطويلة من وجهات نظر نقدية متفاوتة».

يذهب عبدالاله في توصيفه للحال النقدية إلى غياب الكبار عن المشهد النقدي، يقول: «مثلما غاب العمالقة في مجالات الإبداع المختلفة، غاب النقاد الكبار الذين أثروا ساحة النقد في القرن العشرين، أمثال جبرا إبراهيم جبرا، جواد علي الطاهر، إحسان عباس، ولويس عوض، وطه حسين، ومحمد شكري عياد، ومحمد مندور، وشوقي ضيف، وسهيل إدريس، ومحمد يوسف نجم، وعدد آخر من النقاد الذين أثروا الحياة الأدبية، وكانوا طرفاً أساسياً في تقييم الإبداع وتقويمه».
وهو يعتقد أن غياب هؤلاء العمالقة طبيعي بغياب عمالقة الإبداع، فعلى سبيل المثال لم يبق من عمالقة الشعر من هو حياً، ومجمل الشعراء الشباب ليس بينهم علماً مثلما كان في القرن السابق، نعم هناك شعراء جيدون، ولكن ليس فيهم من يمتلك تفرداً واضحاً أو عملقة في تجربته الشعرية.
وعليه، يلفت عبدالإله إلى أن «الأدب العربي عموماً يحتاج إلى زمن نقدي جديد ومتميز. تحتاج الساحة الأدبية إلى زمن محمد مندور، وطه حسين، وإحسان عبدالقدوس، وغيرهم ممن شكلوا عوالم نقدية، ومناهج مختلفة في النقد، وحققوا سلسلة من النقاد تعادل في مستواها ذلك الإبداع، الذي عرفناه شعراً وسرداً ونثراً. نحتاج الآن إلى عدد من النقاد الذين يمتلكون الجرأة والوعي والمنهج لننهض بالعديد من الجوانب الإبداعية، لأن النقد أساسي في حركة الإبداع ولا يقل أهمية عن النتاج الأدبي والفني».

نقدنا رصين
ترفض الكاتبة والناقدة الإماراتية زينب الياسي مقولة «النقد بحاجة إلى نقد» وتقول: «لا أؤيد إطلاق المقولات جزافاً من غير سند علمي، فمن يعود لواقع النقد الإماراتي، يجد أن النقد العلمي والرصين المقدم من خلال أبحاث علمية أكاديمية نال أصحابها درجات علمية من خلالها (الماجستير والدكتوراه) يدل دلالة واضحة أن النقد يتم بطرق وأدوات علمية رصينة وليس هناك مجال للتهوين والتقليل من مستواه بمقولات عرضية وطارئة».

وأرجعت السبب في إطلاق مثل هذه المقولات إلى أن «من يطلقها قد يكون اعتمد على ما ينشر في بعض الصحف والمجلات التي تهدف إلى الربح المادي أو ملء المساحات البيضاء، والتي غالباً ما يكون فيها النقد انطباعياً لا يستند إلى أسس علمية كما هي المقولة التي لا تستند إلى أسس».
وتلفت الياسي إلى ملامح المشهد النقدي الثقافي والأدبي برزت عبر النقد الثقافي، الذي يعتبر من المناهج النقدية الحديثة في الوطن العربي، وقد نظّر له الناقد السعودي المرموق عبدالله الغذامي من خلال كتابه (النقد الثقافي، بحث في الأنساق العربية)، ولكن على مستوى الواقع العام تصدت له قلة من النقاد، وهم من الباحثين والأكاديميين من خلال بحوث علمية رصينة وأطروحات دكتوراه ورسائل ماجستير. ومن المعلوم أن النظريات لا تكتسح الساحة إلا بعد أن تصدرها الجامعات، وبالتالي فإن النقد الثقافي ما زال في بواكيره التطبيقية على مستوى الوطن العربي بشكل عام».
وحسب الياسي، فإن النقد الأدبي يشهد طفرة متميزة في الربع قرن الأخير عن العقود السابقة، وهي ترى أن المؤسسات الثقافية والإعلامية أفرزت نقداً متقدماً بمراحل ومواكباً للواقع النقدي العربي، ونهضت بالإبداع بعد أن كان طي النسيان والركود لدى الكاتب والمبدع الإماراتي، وبالتتبع للحركة النقدية نجد أن مصادر الإشعاع النقدي للمنجز الإماراتي تتجلى بعدة جوانب، من البحوث والدراسات، والدراسات الاكاديمية في المجلات والدوريات.

معايير
وعن ابرز المعايير التي تستند اليها كناقدة، ترى الياسي أن المعيار الذي ينبني عليه النقد للحكم على نص ما، سواء كان نصا شعريا أم نصا سرديا، هو الشكل والمضمون، فالتشكيل الفني واختيار القالب المزمع وضع النص في إطاره هو ما يركز عليه الناقد، وهل كان الشكل الفني موائماً للفكرة أم حَجَّمَ منها، وكذا بعض الأفكار المتواضعة لا تحتاج إلى شكل فني متسع، إذن فالتشكيل الفني بما يشتمل عليه من أدوات، وكيفية توظيفها، هي ما تسترعي ملاحظات الناقد.

أما من زاوية المضمون، فإن الناقد يحاول الوقوف عند المضمون الذي يريد تقديمه الأديب، أو الفكرة التي ينبني عليها النص، وهل قدم الأديب فكرته بوعي وعمق أم بسطحية وتبسيط، وكيفية تعبيره عن رؤيته المشتملة على الذات والآخر والعالم.
لكن السؤال الذي يفرض حضوره هنا: كيف يرد الكاتب على النقد؟ وكيف تقبل الأدباء النقد الموجه اليهم؟
من واقع تجربتها تؤكد الناقدة الياسي ان هناك قبولا وفرحا بل شغفا من الكثير من الأدباء، الذين تمت مقاربة نصوصهم الأدبية سواء الشعرية أم السردية، وتتابع: «لديّ الكثير من الطلبات من قبل أدباء وأديبات الإمارات لمقاربة وقراءة إبداعهم، مما يدل على أن العلاقة أكثر من جيدة وأن النظرة المنصفة تحظى بقبول الطرفين، فالنظرة المنصفة من الناقد إلى العمل الأدبي تجد قبولاً من الأديب الذي يمتلكه شغف الارتقاء والتمكن لقلمه ولإبداعه، كما أن الإيجابية والتفاعلية من الأديب جعلت الناقد أو الناقدة الإماراتية يستوعب ما الذي يحتاجه الأديب من دعم معنوي يوازيه شحذ لهمته وتصحيح مساره بصورة علمية رصينة».

تقويم لا تقييم
تجمع زينب الياسي بين كونها كاتبة وناقدة في الوقت ذاته، وتعلق على هذا المنحى في تجربتها قائلة: حين أكون في موقع الروائي أو القاص، فإني أعدّها تجربة غنية وثرية، وبشكل أخص حين أنظر إلى أن من يقف عند ما كتبته يريد تقويمي ولا يريد تقييمي، فالتقويم فيه تطوير ومساعدة من أجل بناء الأفضل والتقييم قد يأتي في إحدى زواياه المقارنة بالآخرين، وبما أن لكل كاتب تجربته فأنا أفضل التقويم. أما حين أكون في موقع الناقد، فإنني أسعى لتقديم النقد التقويمي في أبحاثي ودراساتي وقراءاتي النقدية، فالتجربة الأدبية الإماراتية بحاجة لمن يدفعها إلى التطوير والبناء وعدم المقارنة.

وتجد الياسي من موقعها كناقدة أن «الناقد الإماراتي كالمبدع الإماراتي، بحاجة للتشجيع والدعم لا الإقصاء والتهميش، فالسنون العجاف التي مرَّ بها المبدع الإماراتي جعلته يبتعد عن الساحة الثقافية لسنين - كما صرح أحد الشعراء الإماراتيين- أو يبتعد عن الساحة بشكل تام».
وتجد الياسي أن «هذا الأمر متحقق الآن مع الناقد الإماراتي، فرغم الكم العددي الأكاديمي العلمي الرصين للنقاد الإماراتيين، وهنا أعني الناقدات، إلا أن المؤسسات الثقافية ما زالت خجولة في استقطابهم واستقطاب علمهم وفكرهم كما فعلوا مع الأدباء والمبدعين من حيث الجذب والتشجيع والتقدير».

النقد.. الهدّام
تؤيد الكاتبة حلوة سعيد مقولة «النقد بحاجة الى نقد»، وتنطلق في رأيها هذا مما عايشته على المستوى الثقافي، تقول: «لقد حضرت أمسيات لكتاب وأدباء سبقوني في النشر، وشهدت النقد الحاد واللاذع الذي تعرضوا له، إما بأسلوب مباشر أو غير مباشر. للنجاح ضريبة لابد ان تتهيأ لها وتعد له العدة. صحيح أننا لسنا في مجال خوض حرب ولكن على الكاتب ان يهيئ نفسه جيدا لضبط الاعصاب والهدوء والتدرب لمواجهة الحوارات والاسئلة، وأن يتسلح بالثقة التامة ويتمسك بأفكاره ومبادئه، وألا يبدو في موقف ضعيف أبداً. ولا بد من القول أن هناك نقادا قد يوجهوننا بأسلوبهم الهادئ والنقد البنّاء للتصحيح من أدائنا وتطوير مهاراتنا، وأننا ككتاب علينا ان نواجه النقد بتفهم ورضا وصدر رحب».

وفي معرض ردها على سؤالنا حول امتناع العديد من الكتاب عن الاقبال على مشروع جديد بسبب النقد لعمله الاول، أوضحت: «نعم بعضهم قد يرهبه النقد الهدام ويفر بعيدا دون رجعة، ولا يعود للعمل والتجربة مرة اخرى، وإن عاد ثانية وقرر المحاولة فلن يكون بالحماس ذاته، ولا الإيمان والثقة بالنجاح.. ومن هنا، يكون بحاجة إلى الدعم والتوجيه. على النقد ان يتسم بالمرونة والانضباط. على النقد ان يحقق الهدف المرجو ألا وهو التوعية والتوجيه في المرتبة الاولى والأخيرة.
وأما عنها فتقول: «أنهيت قصة قصيرة بالفعل وأتمنى ان تجد دورها للنشر قريبا بإذن الله، وكذلك في صدد نشر كتاب طهي جديد من نوعه».

قفزة
الكاتبة ايمان اليوسف ترى ان «الساحة المحلية شهدت خلال ر السنوات العشر الماضية قفزة نوعية لجهة عدد الكتاب والأدباء المواطنين، الامر الذي لم يرافقه نهضة مرتقبه بالحركة النقدية».

أما عن تجربتها مع النقد فكانت ايجايبة للغاية من خلال أول رواية لها بعنوان «النافذة التي ابصرت» والتي حصدت اعجاباً من قبل النقاد من حيث اللغة والسرد ومن حيث تناولها لثلاث حقب زمنية وتاريخية ولأجناس مختلفة.
مع ذلك، تقرّ بأن النقد «يلعب دورا محوريا في إحجام بعض الكتاب عن الاقبال على عمل جديد في حال كان نقداً حاداً وغير مدروس».




الكاتبة حلوة سعيد أعلنت مؤخراً إصدار روايتها الأولى جارة القمر، وفي لقائنا معها حاولنا رصد ابرز ردود الفعل التي تلقتها من النقاد والجمهور، في هذه الشهادة، تقول: بالفعل كانت هناك ردود متباينة ووجهات نظر مختلفة من قبل الجمهور وإخواني الكتاب وأخواتي الكاتبات. الكاتب إما أن يتلقى من رفقته وأصدقائه شيئاً من المدح والقبول والاستحسان تقديرا لجهوده أو من باب المجاملة والصحبة، وإما أن يواجه أخاً وصديقاً حقيقياً يعلن له رأيه بصراحه مطلقة. بالنسبة لي استشعرت قبولاً وترحيباً بالتجربة بشكل عام، لكن وجهت إلى العمل أيضاً بعض الملاحظات، عبر لي الجمهور عن استيائه من النهاية المحزنة للرواية من دون الإساءة للأسلوب أو اللغة أو الحبكة.. وآخرون تفاعلوا لدرجة البكاء أو الضحك.. ومنهم من أثنى على حجم الرواية وتمكّني من التحكم في زمام الأمور برغم كونها الإصدار الأول لي.. ومنهم من قال «رائعة جدا».. ومنهم من قال إنه لا يميل إلى السرد والتفاصيل... وكانت أبرز النقاط التي تم توجيهها لروايتي من قبل القراء السرد والتفاصيل متناسين بأنهم قاموا باختيار (رواية) ولكنهم ما أن تابعوا القراءة حتى أرغمتهم ذات التفاصيل للمتابعة إلى النهاية.

النقاد أثنوا على جارة القمر كثيراً من حيث اللغة والسرد، وواصلوا تشجيعي لتقديم الجديد ولم أواجه سوى نقد (واحد) شديد اللهجة أساء بدوره إلى نفسه قبل محاولة نقد روايتي ولا ادري ما هو الدافع الفعلي لغضبه الشديد. لقد التقيت بالفعل احد النقاد ولم يثنِ على كتابي وشبّه تجربة الرواية الأولى تشبيهاً غير لائق بتاتاً! كنت على استعداد للمواجهة أجلس بثقة وأسترخي في مقعدي (وأنا ابتسم) فخورة بكتابي، متحكمة في زمام الأمور. ابتسمت بسعادة أن يثير نجاحي في إصدار رواية زوبعة في فنجان ناقد لم يتصفح كتابي بعد.
قال أحدهم: أنا أقرأ أول صفحة للكاتب فأعلم إن كان كتابه جديراً بالمتابعة أم لا!
ماذا يعني هذا؟ وماذا عن بقية الجهد والاداء والعمل؟ (ذهب مع الريح)؟ أنت هنا تقتل الموهبة كأن تسحق بذرة لم يسعها ان تمد جذورها.
على الناقد ان يوجه آراءه النقدية أو يدلي بها بأسلوب هادئ ومقنع، وألا يرهب الكاتب أو المبتدئ بتصفحه صفحة أو صفحتين بينما العمل استغرق من كاتبه شهوراً طويلة. القراءة فن وأسلوب النقد وتوجيهه فن أيضاً.
لقد تلقت «جارة القمر» الكثير من النقد الايجابي - ولله الحمد - أما بالنسبة للنقد السلبي، فلديّ قناعة مفادها ما دمت قد قررت النشر، علي تقبل آراء الاخرين. وكما أن لي الحق في إبداء رأيي فإن للآخرين الحق بذلك أيضاً. ولكل فكرة دائما مؤيدون ومعارضون.


جارة القمر... والنقد

اقرأ أيضا