الاتحاد

الملحق الثقافي

العلم أصلٌ لكلّ خير شذريات

العلم أوسع من أن يحاط به (يوميات المكتشفين للفنان الروسي فلاديمير غوش)

العلم أوسع من أن يحاط به (يوميات المكتشفين للفنان الروسي فلاديمير غوش)

رضاب نهار
الجاحظ: ولِد أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب (159 هـ – 255 هـ) في البصرة ببلاد العراق. لُقِّبَ بالجاحظ لبروز عينيه وجحوظهما، وهو من أعظم العلماء والأدباء العرب في الماضي والحاضر، وأكثرهم قدرة على بلوغ المعنى وتحقيق جودة وحسن المعنى، حيث تطرق أدبه من خلال المفردات والعبارات الرصينة، إلى الإنسان والحيوان، وكتب في فلسفة الحياة لدى العامة والخاصة، حتى أنه لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وذكر شرها وفضلها. وجاءت نهايته درامية كما حياته كلها، فقد ذكر أنه وبينما كان في مكتبته يقرأ، وقعت عليه بعض الكتب فقتلته، بعد أن قدم لنا العديد من المؤلفات التي باتت تعد ركناً أساسياً من الحضارة العربية والعالمية. منها: كتاب «البخلاء»، «البيان والتبيين»، «المحاسن والأضداد»، «الحيوان»، «التاج في أخلاق الملوك».

ولم يُصن العلم بمثل بذله، ولم يُستبِق بمثل نشره، على أن قراءة الكتب أبلغ في إرشادهم من تلاقيهم، إذ كان مع التلاقي يكثر التظالم، وتُفرِط النصرة، وتشتد الحِميّة. وعند المواجهة يُفرط حب الغلبة، وشهوة المباهاة والرياسة، مع الاستحياء من الرجوع، والأنَفة من الخضوع. وعن جميع ذلك تحدث الضغائن، ويظهر التباين، وإذا كانت القلوب على هذه الصفة وهذه الحلية، امتنعت من المعرفة، وعميت عن الدلالة.

***
والكِبر من أسباب القسوة، ولو كان الكِبر لا يعتري إلا الشريف والجميل، أو الجواد، أو الوفي أو الصدوق، كان أهون لأمره، وأقل لشينه، وكان يعرض لأهل الخير، وكان لا يغلط فيه إلا أهل الفضل، ولكنا نجده في السفلة، كما نجده في العلية ونجده في القبيح كما نجده في الحسن، وفي الدميم كما نجده في الجميل، وفي الدنيّ الناقص، كما نجده في الوفيّ الكامل، وفي الجبان كما نجده في الشجاع، وفي الكذوب كما نجده في الصدوق، وفي العبد كما نجده في الُحرّ.

***

والغلّ نتيج الحسد، وهو رضيعه، وغصن من أغصانه، وعون من أعوانه، وشُعبة من شُعبه، وفعل من أفعاله، كما أنه ليس فرع إلا له أصل، ولا مولود إلا له مولد، ولا نبات إلا من أرض، ولا رضيع إلا من مرضع، وإن تغيّر اسمه، فإنه صفة من صفاته، ونبت من نباته، ونعت من نعوته.

***

وأما العلم، فإنه أوسع من أن يحاط به، فمن طلبه لشرفه وفخره فإنه لا حد له ولا نهاية، ولم يزدد فيه رغبة، ومن طلب منه مقدار كفايته وحاجته كفاه منه اليسير، على أنه لا يملك من كثر علمه أن يرى فيه الغنى والكبرياء أيضاً، وقد يملّ كل شيء، وتمل العين أيضاً منه ومن المال.

***

فاللسان أداة مستعملة، لا حمد له ولا ذمّ عليه، وإنما الحمد للحلم واللوم على الجهل. فالحلم هو الاسم الجامع لكل فضل، وهو سلطان العقل القامع للهوى، فليس قمع الغضب وتسكين قوة الشَّره، وإسقاط طائر الخُرق بأحق بهذا الاسم، ولا أولى بهذا الرسم، من قمع فرط الرضا وغلبة الشهوات، والمنع من سوء الفرح والبطر، ومن سوء الجزع والهلع، وسرعة الحمد والذم، وسوء الطبع والجشع، وسوء مناهزة الفرصة، وفرط الحرص على الطلبة، وشدة الحنين والرقة، وكثرة الشكوى والأسف، وقرب وقت الرضا من وقت السخط، ووقت التسخط من وقت الرضا، ومن اتفاق حركات اللسان والبدن على غير وزن معلوم ولا تقدير موصوف، وفي غير نفع ولا جدوى.

***

ولا شيء أعجب من أن المنطق أحد مواهب الله العظام، ونعمه الجسام، وأن صاحبها مسؤول عنها، ومحاسب على ما خوّل منها، أوجب الله عليه استعمالها في ذكره وطاعته، والقيام بقسطه وحجته، ووضعها مواضع النفع في الدين والدنيا، والإنفاق منها بالمعروف لفظة لفظة، وصرفها عن أضدادها.
***
وإنما سمّي العقل عقلاً وحِجراً، قال تعالى – (هل في ذلك قسَمٌ لذي حِجر) – لأنه يزمّ اللسان ويخطمه، ويشكُله ويربُثه، ويقيد الفضل ويعقله عن أن يمضي فُرطاً في سبيل الجهل والخطأ والمضرة، كما يُعقَل البعير، ويُحجَر على اليتيم.

***

ولولا الكتاب لاختلت أخبار الماضين، وانقطعت آثار الغائبين، وإنما اللسان للشاهد لك، والقلم للغائب عنك، وللماضي قبلك والغابر بعدك، فصار نفعه أعم، والدواوين إليه أفقر.
***
ولا تعجل بالقضية حتى تستوفي آخر الكتاب، وتبلغ أقصى العذر، فإنك إن كنت تعمّدت تذممت، وإن كنت جهلت تعلّمت، وما أظن من أحسن بك الظن إلا وقد خالف الحزم.
***
والعلم أصل لكل خير، وبه ينفصل الكرم من اللؤم، والحلال من الحرام، والفضل من الموازنة بين أفضل الخيريْن، والمقابلة بين أنقص الشَّريْن.

***
وشرّ البلغاء من هيّأ رسم المعنى قبل أن يهيّئ المغنى، عشقاً لذلك اللفظ، وشغفاً بذلك الاسم، حتى صار يجر إليه المعنى جراً، ويلزقه به إلزاقاً، حتى كأن الله تعالى لم يخلق لذلك المعنى اسماً غيره، ومنعه الإفصاح عنه إلا به

***

والآفة الكبرى أن يكون رديء الطبع بطيء اللفظ، كليل الحد، شديد العُجب، ويكون مع ذلك حريصاً على أن يعدّ في البلغاء، شديد الكلف بانتحال اسم الأدباء، فإذا كان كذلك خفي عليه فرق ما بين إجابة الألفاظ واستكراهه لها.

***

وقد علمنا أن الجديد في «غير» موضعه دون الخلق، وقد جعل الله عز وجل لكل شيء قدراً وبوّأ له موضعاً، كما جعل لكل دهر رجالاً ولكل مقام مقالاً.

***

وعبتموني حين قلت: إن فضل الغنى على القوت إنما هو كفضل الآلة تكون في الدار، إن احتيج إليها استعملت، وإن استغني عنها كانت عدة.

اقرأ أيضا