الاتحاد

تقارير

صراعات القوقاز··· ونُذر عودة الحرب الباردة

صراعات القوقاز··· ونُذر عودة الحرب الباردة

صراعات القوقاز··· ونُذر عودة الحرب الباردة

قال الرئيس بوش في الأيام الماضية إن الحرب الباردة مع موسكو قد انتهت· إلا أن مرحلة جديدة من العداء بين موسكو وواشنطن قد بدأت على رغم ذلك· وربما لا يصل هذا العداء من التوتر ما بلغته الأزمة النووية بين المعسكرين الغربي والسوفييتي إبان الحرب الباردة، إلا أنه ليس بالسهل على أية حال· فقد عصف الغزو الروسي الأخير لجورجيا بتلك الاستراتيجية التي تبنتها ثلاث إدارات أميركية متعاقبة أملاً في جذب روسيا إلى دائرة التحالف مع الغرب والاندماج في مؤسساته وقيمه· ومن ناحيتها تنظر روسيا إلى هذه الجهود الأميركية باعتبار أنها لم تكن صادقة أصلاً، إلى جانب كونها لا تعبر عن أدنى احترام لمصالح روسيا السياسية والأمنية المشروعة· والذي تبين الآن أن مصالح روسيا هذه تتعارض تعارضاً تاماً مع مصالح كل من الغرب والولايات المتحدة الأميركية· وعلى رغم استبعاد بوش لاستخدام مصطلح الحرب الباردة على النزاع الأخير الذي وقع بين موسكو وتبليسي، إلا أنه مع ذلك رسم حداً فاصلاً بين الدول الحرة وغير الحرة، مع وضع موسكو في قائمة الدول الأخيرة بالطبع· وعلى حد قوله: ''لقد هدمت روسيا بأفعالها الأخيرة هذه أي مصداقية لها، إلى جانب تخريب علاقاتها مع دول العالم الحر''· جاء ذلك في الخطاب الرابع الذي ألقاه بوش عن النزاع الروسي-الجورجي، خلال الأيام الخمسة الأولى لاندلاعه، مع العلم أنه الأقوى بين كل الخطابات التي ألقاها· ومضى بوش مستطرداً في وصف السلوك العدواني الروسي بقوله: ''إن الاستئساد وترهيب الآخرين ليسا وسيلتين مقبولتين لإدارة السياسات الخارجية لدولة ما في القرن الحادي والعشرين''·
وكما نرى فقد برزت النزاعات إلى السطح، وأسهم في تأجيجها سلوك كلا الطرفين· وعلى رغم صغر حجمه، إلا أن النزاع الأخير الذي شهدته منطقة القوقاز -التي يجهل الكثير من الأميركيين عنها كل شيء تقريباً- خلّف وراءه تغييرات كبيرة في علاقات الغرب بموسكو·
فعلى سبيل المثال، عاد مجلس الأمن الدولي إلى تعثر شديد الشبه بتعثره السابق إبان الحرب الباردة، بسبب صراع ''الفيتو'' الأميركي و''الفيتو'' الروسي فيه، ما يجعل توصله إلى أي قرار ذي معنى بشأن التطورات التي شهدتها جورجيا مؤخراً أمراً مستحيلاً· وفي الوقت الذي يتوقع فيه استمرار التفاوض ما بين واشنطن وموسكو حول كل ما هو ضروري- مثلما كان عليه الحال بينهما طوال فترة الحرب الباردة- إلا أن المؤكد أن التعاون بينهما بدا أكثر صعوبة وبعداً من ذي قبل، خاصة في القضايا الأكثر تعقيداً مثل الأزمة النووية الإيرانية·
والحقيقة أن الغزو الروسي لجورجيا -الذي يعد الأول من نوعه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991- كشف عن اصطفاف جديد للقوى، كان آخذاً في التشكل سلفاً في كل من وسط وشرق أوروبا، حيث بادرت الدول المنضوية حديثاً هناك لنيل عضوية كل من الاتحاد الأوروبي وحلف ''الناتو''، هرباً من التهديد الأمني الذي تمثله لها عودة روسيا مجدداً للاستئساد· والملاحظ أن هذه التطورات أرغمت واشنطن سلفاً على إعادة تقييم استراتيجيتها المتبعة إزاء موسكو، على حد تصريح وزير الدفاع الأميركي روبرت جيتس مؤخراً· ومن بين ردود الأفعال على الغزو الروسي الأخير لجورجيا، إسراع واشنطن ووارسو على الفور لإبرام صفقة إنشاء قواعد عسكرية أميركية لنظم اعتراض الصواريخ، مع العلم بأن المفاوضات حول إقامة هذه القواعد استغرقت من البلدين عدة أشهر دون التوصل إلى أي اتفاق عليها قبل الغزو الروسي الحالي· ومن جانبها أسقطت إدارة بوش اعتراضاتها السابقة على طلب بولندي بإرسال صواريخ ''باتريوت'' الأميركية إلى بولندا، بغرض تمكينها من الدفاع عن نفسها أمام أي هجمات محتملة من جانب روسيا· وتأكيداً لهذه المخاوف البولندية، صرح جنرال روسي رفيع المستوى بأن بولندا جعلت من نفسها هدفاً محتملاً للتو للترسانة النووية الروسية، بإبرامها للصفقة آنفة الذكر مع واشنطن·
وبسبب تواتر ردود الأفعال والتداعيات هذه، تساءل بعض المراقبين عن مدى جدوى عنف استجابة إدارة بوش للعنف الروسي الأخير ضد جورجيا· ومن بين هؤلاء المراقبين قال تيد جالين كاربنتر، وهو نائب رئيس قسم سياسات الدفاع والسياسات الخارجية بمعهد كاتو في واشنطن: ''إن الذي يثير قلقي في هذا النزاع الأخير بين روسيا وجورجيا، هو إضاعة واشنطن لأية فرص ممكنة للتعاون بينها وبين موسكو من أجل حل حزمة من القضايا الشائكة، بسبب نزاع ليس لواشنطن مصلحة كبيرة فيه''·
وربما بدا من غير الملائم من الناحية الزمنية الآن الحديث عن وجود ''معسكرات'' في أوروبا، إلا أنها بدأت تبرز إلى السطح بوضوح أشد اليوم، وإن لم تكن تستند إلى أساس أيديولوجي صلب مثلما كانت عليه طوال فترة الحرب الباردة· ولعلنا نجد سنداً قوياً لهذا الاعتقاد في حدة الاستجابة الأميركية للغزو الروسي من جهة، واشتداد حدة الرد الروسي على هذه الاستجابة من الجهة الأخرى· بل إن خطاب الرئيس بوش المذكور نفسه أكد عمق هذه التكتلات بقوله: ''لقد عقد الجورجيون انتخابات عامة حرة نزيهة، ومضوا إلى فتح اقتصاد بلادهم على السوق العالمية، إلى جانب تمكنهم من بناء مؤسسات الديمقراطية الناجحة· وهذا ما لم يفعله الروس، إذا قارنَّا بين الطرفين''·

ستيفن لي مايرز
كاتب ومحلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز

اقرأ أيضا