الاتحاد

دنيا

ذوو الاحتياجات الخاصة يسيرون واثقين نحو حياة الأسوياء

مختلفون لكنَّهم مستعدون للاندماج، يعلمون خصوصية أوضاعهم، ولذلك هم يبذلون جهوداً استثنائية لتخطي الصعوبات التي تحول بينهم وبين النمط الطبيعي من العيش، لم يخطئ من قال عنهم إنَّهم بمحاذاة ما يشكونه من مغايرة للمألوف، إنَّما يملكون طاقات جبارة تتيح لهم تجاوز العقبات العنيدة، ودفع الحياة التي تنكرت لهم يوماً لأن تسلس لهم قيادها في باقي الأيام، متفائلون برغم العوائق، بل ربما بسببها، وعندما تتوافر لهم الأيدي الحانية، والقلوب الكبيرة، ستكون المحصلة عامرة بالكثير من الدهشة الآسرة..

هم جزء لا يتجزأ من المجتمع، لا يمكننا تجاهلهم أو الانتقاص من شأنهم، فقد اختارهم الله عز وجل ليمتحنهم ويمنحهم...
عندما يمارس ذوو الاحتياجات الخاصة دورهم في الدراسة والتعليم والعمل والإنتاج، فليس لنا من حق، أفرادا ومجتمعات، في أن نتجمل عليهم، لأنَّهم يمارسون أبسط حقوقهم كغيرهم من الناس الطبيعيين.
لعلَّ اعترافنا بالتقصير في رعاية ومساعدة هذه الفئة، وسعينا وراء معالجة هذا التقصير من أهم الأمور التي يجدر بنا الحديث عنها.
عن تجربة دمجهم في الحياة الطبيعية تحدثنا أروى المقطري، منسقة الدمج في مؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية، (رعاية وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة).
تتحدث أروى المقطري عن مفهوم الدمج والهدف منه حيث تقول: «هو تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس العادية مع أقرانهم العاديين، وإعدادهم للعمل في المجتمع معهم.
أما أهدافه فهي كثيرة منها تقديم الفرص للأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة للتعليم المتكافئ والمتساوي مع غيرهم من الأطفال العاديين في نفس الفئة العمرية، عبر استيعاب أكبر نسبة ممكنة منهم ممن لا تتوفر لديهم فرص للتعليم. وهذا بدوره سيحقق فرصة انخراطهم بيسر وسهولة في الحياة العادية، مما سيعزز لديهم ثقتهم بأنفسهم، وسيساعد الأطفال العاديين على التعرف إلى فئة الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة عن قرب وتقدير مشاكلهم، ومساعدتهم على مواجهة متطلبات الحياة، بالإضافة إلى تعديل أفكار واتجاهات أفراد المجتمع، وبالذات العاملين في المدارس العادية من مديرين ومدرسين وأولياء أمور، تجاه فئة ذوي الاحتياجات الخاصة».

عملية منظمة ومشروطة
تشير المقطري إلى أنَّ عملية الدمج ليست عملية عشوائية، بل هي عملية منظمة ومدروسة وتخضع لشروط ومعايير: «لا بد من توافر شروط محددة في الأطفال الذين يمكن دمجهم في المدارس، منها أن يكونوا من ذوي الاحتياجات الخاصة، من نفس الفئة العمرية لأطفال المدرسة العادية، وألا يكون الطفل مزدوجا أو متعدد الإعاقة، إلا في حدود لا تأثر على مدى استفادته من البرنامج، ?وأيضاً أن يكون الطفل قادراً على الاعتماد على نفسه في إتقان مهارات العناية الذاتية، كاستعمال الحمام ومهارات اللبس والخلع، بالإضافة إلى ضرورة أن يكون لدى الطفل القدرة على التماشي مع ظروف ونظام المدرسة العادية، ويتم ذلك من خلال الخضوع لاختبار تجريه لجنة تتألف من مدير المدرسة والاختصاصي النفسي ومعلم الطفل والاختصاصي الاجتماعي واختصاصي القياس، الذين يدرسون ملف الطفل ويحددون حالته الصحية والاجتماعية والظروف الأسرية، ونموه التعليمي والتقارير الشخصية، مع الاستفادة من ملاحظات الأهل ومعلوماتهم وإجراء الاختبارات والمقاييس اللازمة».
وتضيف المقطري: «كما أنه لا بد من توافر شروط في المدارس التي سيتم الدمج فيها، لجهة إمكانية التقبل، والرغبة في التعاون والاستعداد للالتزام بتنفيذ البرنامج كما هو مخطط له، من جانب كل من مدير المدرسة والجهاز التعليمي فيها. ويجب أن تكون المدرسة قربيه من مكان إقامة الطفل، وأن تتوافر في المدرسة الوسائل التعليمية المناسبة، بالإضافة إلى ضرورة وجود مرشدة أو مرشد اجتماعي، واختصاصي نفسي ومدرس نطق فيها. ولا بد من توفير معلم متخصص للعمل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة إذا لم يكن متوافراً من بين طاقم المعلمين العاملين في المدرسة، وأن يتوافر أيضاً المكان التعليمي الملائم لحالة الطفل، في حالة عدم إمكانية دمجه في الفصل العادي (غرفة مصادر- فصل خاص).
ولا شك أنه من الضروري أن تكون المدرسة مجهزة لأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة من حيث الحمامات والسلم الآمن وغيرها».

من جهتها عائشة الحدادي، اختصاصية في وحدة التدخل المبكر تتحدث عن تجربتها في متابعة إحدى حالات الدمج في المدرسة، قائلة: «تطوعت للعمل في برنامج الدمج لاقتناعي بأهميته، وبما يحدثه من تغيرات إيجابية في حياة ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث خضعت لدورات مكثفة جعلتني أستوعب مفهوم الدمج وآليته، والخطة التي يجب أن أسير عليها في متابعة الحالة التي سأشرف عليها بعد دمجها الفعلي في المدرسة، وقد بدأت مع بداية العام الدراسي بمتابعة الطفلة موزة الشامسي (6 سنوات) وهي لديها إعاقة حركية، حيث تم دمجها في روضة الدانات في العين، بعد أن تم التنسيق مع إدارة المدرسة ومعلمة الطفلة نفسها والاختصاصيات وغيرهم، وتأكدنا من ملائمة البيئة والبنية المدرسية بما يضمن سهولة حركة الطفلة وتنقلها تم دمجها وانضباطها بدوام رسمي مع بقية الطلبة العاديين. بدأت بعدها أقوم بزيارات أسبوعية تستغرق ساعتين بهدف متابعة الطفلة عن قرب، وملاحظة مدى تفاعلها أكاديمياً وانفعالياً مع الأطفال الآخرين... أنا متفائلة جدا بهذه الطفلة وغيرها من الأطفال الذين تم دمجهم لما لمسناه من نتائج لم تكن متوقعة»!!

بين القبول والرفض
من جانبهم أولياء أمور الطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة، وقفوا من برنامج الدمج بين المؤيد والرافض، نتيجة لتخوفهم من انتقاص حقوق أبنائهم عند دمجهم مع الطلبة العاديين، أو تعرضهم لصدمات نفسية نتيجة لعدم تقبل هذا الوضع الجديد، وتعتبر والدة الطفلة موزة الشامسي من أولياء الأمور الذين تحمسوا لفكرة الدمج، بل هي تعاونت بجدية مع المركز لإنجاحها، تقول عن التجربة: «تحمست لفكرة الدمج بعد أن حضرت الدورة التعريفية التي قدمها لنا المركز حول الدمج وآثاره الإيجابية على ذوي الاحتياجات الخاصة، وعلمت من المسؤولة أنَّ ابنتي يصعب تطبيق برنامج الدمج عليها لإخلالها بأحد الشروط، وهو قدرتها الذاتية على استعمال الحمام، فطلبت من المركز منحي فرصة لأدربها على ذلك، ونجحت في فترة قياسية لرغبتي الملحة في أن تنتظم ابنتي في صفوف الطلبة العاديين منذ طفولتها، فتنمو وتكبر دون أن تشعر بعزلة اجتماعية، لقد لاحظت أنَّ ابنتي تقبلت المدرسة بصورة طبيعية، وقد ساعد في ذلك ترددها على وحدة التدخل المبكر في المركز منذ عامين، الذي كسر بدوره حاجز الخوف والخجل لديها».

قصة دمج ناجحة
بدورها المعلمة فاطمة الظاهري من مدرسة الحضارة للتعليم الأساسي، تثني على فكرة الدمج التي أطلقت طاقات الطلبة الذين تم دمجهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، وقد أثبتوا تفوقهم على أقرانهم من الطلبة العاديين: «استطاعت الطالبة الكفيفة وفاء عوض (13سنة ) أن تتفوق على زميلاتها رغم إعاقتها، فهي الأولى على صفها، كما أنَّها حصلت على جائزة الشارقة للتميز التربوي، وهي متحدثة طلقة، ولا تترك نشاطاً مدرسياً إلا وتشارك فيه، وتستعد الآن للمشاركة بجائزة حمدان بن راشد للأداء التعليمي المتميز، ضمن الدورة الثانية عشرة، علماً بأنَّه تم دمج وفاء منذ 4 سنوات».

صعوبات
وتعود المقطري لتذكر الصعوبات التي تواجههم في تطبيق برنامج الدمج على الطلبة: «لاشك في أننا واجهنا صعوبات أو تحديات تمكنا من التغلب على معظمها، ومن أبرزها معارضة بعض أولياء الأمور للدمج بسبب التخوف من فقدان الامتيازات التي توفرها مراكز ذوي الاحتياجات الخاصة لأبنائهم. وتخوف بعض مديري المدارس من فكرة الدمج بسبب التهيئة البيئية مثلاً. أضف إلى ذلك تخوف بعض الطلاب من عملية الانتقال إلى المدارس العادية».

اقرأ أيضا