الاتحاد

ثقافة

آندريه ميكيل: آخر المستعربين الكبار

 «الدارس» 1890 بريشة لودويج داتش

«الدارس» 1890 بريشة لودويج داتش

ترجمة: أحمد عثمان

منذ دخوله إلى مجال الدراسات العربية، قبل خمسين عاماً، لم يكف آندريه ميكيل عن تحليل وترجمة الأدب العربي في فنونه الثلاثة الرئيسية، التي تؤكد بالضبط نموذجية الخطاب التي اقترحها رولان بارت: السرد، الشعر، الأدب المتخصص (1).
كطالب في دار المعلمين العليا تملكه فضول كبير لأشياء الشرق، اتجه في بادئ الأمر نحو هذا الأخير، حينما حاز في عام 1952 دبلوم الدراسات العليا عن الجغرافي المقدسي (توفي في 380هـ ـ 990م)، مع ترجمة للمقدمة (غير كاملة) والخاتمة، كما ثلاثة فصول عن (العراق، جبال وصحراء فارس) من كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم». تلك بداية مشوار طويل عن الجغرافيين العرب، كلله بعد خمسة عشر عاماً بأطروحة دكتوراه دولة: «الجغرافيا والجغرافيا الانسانية في الأدب العربي منذ منتصف القرن السادس الميلادي حتى 1050». وهذه الأطروحة، بدروها، أسست الجزء الأول من ثلاثة أجزاء صدرت تباعاً: الجغرافيا العربية وتمثل العالم: «الأرض والغريب» (1975)، «الوسط الطبيعي» (1980)، «الأعمال والأيام» (1988). وفي هذا الصدد، كان المقدسي عالمه الجغرافي المفضل. هناك ترجمة للفصل المكرس عن سوريا (الشام) من كتابه «أحسن التقاسيم» الذي قدمه ميكيل كأطروحة تكميلية (دمشق، المعهد الفرنسي للدراسات العربية IFEAD،1963). ثم أصدر، خلال قيامه بالتدريس في باريس ـ فنسان، ترجمة للفصل المخصص عن مصر (مصر كما رآها جغرافي عربي خلال القرنين التاسع والعاشر/‏ المقدسي، حوليات إسلامولوجية 11، 1972، ص. 109 ـ 139). لنقل إن «العلاقة المتواطئة» الطويلة بين ميكيل والمقدسي وجدت من دون شك خاتمتها مع صدور الترجمة الكاملة لعمله، مع دراسة بعنوان «فلسطيني على الطريق. الامبراطورية الإسلامية في عام 1000» (باريس وآرل، سندباد/‏ آكت سود، 2008)، سوف تمكنه من تثمين ذائقته الأدبية، كما ثمن الجغرافي، الكاتب والإنسان.

استشراق ناضج
تستدعي الأهمية التي أولاها آندريه ميكيل لمجال جغرافيا العالم الإنساني وللمقدسي الإنسان أنه، هو نفسه، متحدر من الإنسانية، وبالتالي سجل مسيرته في الاستشراق الإنساني المستمر الذي تبدى بصورة ناضجة في أوروبا: أقول -محاولاً- أنه خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر، في العصر الذي رأينا فيه علماء، وقد تعلموا منذ نعومة أظفارهم اللاتينية واليونانية، بدأوا في الاهتمام بآداب الشرق المسلم الدنيوية، علومه أو آدابه الشعبية (بدأ الاهتمام باللغة نفسها منذ القرن السادس عشر). على الرغم من أن ميكيل كان وريثاً لهذا التقليد الفيلولوجي من خلال تكوينه الأساسي (كخريج دار معلمين عليا ومبرز في علم النحو)، إلا أنه لم يكن أسيراً له: على العكس، عرف أن يتعامل مع الشعر والأدب العربي السردي بتحليلات عصره، في تدريسه، كقاعدة لكثير من أعماله، في الجامعة بداية، كما تابعها مؤلف هذه الأسطر الذي تابع دروسه في جامعة باريس 3 خلال عامين 1970 ـ 1971، ثم، بدءاً من عام 1976 في الكوليج دو فرانس، في قسم اللغة والآداب العربية الكلاسيكية.
لنبدأ بالشعر. من الممكن القول أن آندريه ميكيل يمتلك رؤية شاملة عن الشعر العربي الكلاسيكي، كما بينته هاتان الآنطولوجيتان اللتان نشرهما: «من الصحارى العربية الى بساتين إسبانيا» (باريس، سندباد، 1992) و«العرب والحب» (بالاشتراك مع حمدان حجاجي، باريس، سندباد، 1999). الآنطولوجيا الأولى شاملة، تغطي الشعر العربي منذ أصوله الجاهلية حتى أصواته الأندلسية الأخيرة. الآنطولوجيا الثانية، منهجية، تغطى نفس الفضاء - الزمن، ولكن بالتركيز على الحب، تحت صوره المختلفة. الاثنان يتبعان، من ناحية الترجمة، طريقاً اتبعه دوماً علماء اللاتينية والهللينية، كما مستعربو ما وراء الراين وما وراء المانش، ولكن هذا الطريق نادراً ما طرقه المستعربون الفرنسيون: طريق الترجمة الشعرية، حيث يتطابق الخطاب الدقيق عن نقطة الانطلاق مع الخطاب الدقيق عن نقطة الوصول ـ البحر الاسكندري، البيت عشاري المقاطع، البيت ثماني المقاطع، حسب البحور العربية، وزد على ذلك الشعر المقفى.
وفي هذا الشأن، كان لميكيل تفضيلاته. وحتى عاطفياً: بالنسبة لقيس بن الملوح (القرن الأول الهجري/‏ القرن السابع الميلادي)، المعروف بمجنون ليلى، الشخصية الأسطورية عن كونها الشخصية التاريخية، كرس عنها في عام 1984 بحثاً بالاشتراك مع بيرسي كمب، عنوناه «الحب المجنون» (باريس، سندباد) وترجمة روائية عن سيرته معنونة «ليلى، عقلي» (باريس، لو سوي). بيد أن التاريخ لا يتوقف هنا. بعد عشر سنوات، رجع إليه في دراسة مقارنة: «قصتان من قصص الحب: من مجنون إلى تريستان» (باريس، أوديل جاكوب، 1996)، وهي الجزء الأول من ثلاثية تبعث الروح في التاريخ الغربي لتريستان وايزوت وإلى إثنين من تجسداته: «رواية تريستان وايزوت» (1900) لعالم القرون الوسطى جوزيف بيدييه (1864 ـ 1938)، التي نظمها حسب البحر الاسكندري («تريستان وايزوت»، حسب جوزيف بيدييه، باريس، أوديل جاكوب، 1996)، و«أوبرا تريستان وايزولد»، لريشارد فاجنر (1813 ـ 1883) التي حققها في عام 1865، حيث اقترح ترجمة للكتيب المنجز في عام 1859 («تريستان وايزولد»، مقدمة بيار بوليز، فوليو-تياتر، باري-جاليمار، 1996). وفي عام 2003، بلغت مغامرة (المجنون) منتهاها مع العمل الباهر: «الترجمة الكاملة لديوان المجنون» (باريس، سندباد). ولكن ميكيل وجد وقتاً لترجمة الشاعرين: أبو العتاهية (210 ـ 211 /‏ 825 ـ 826) حيث عنون مختاراته «قصائد الحب والموت» (باريس، سندباد، 2000) وابن زيدون (463 ـ 1070) الذي ترجم قصائد حبه لولادة تحت عنوان «من أجل حب الأميرة» (باريس وآرل، سندباد وآكت سود، 2009)، مجدداً، في نفس المناسبة، من طريقته في ترجمة الشعر العربي! ولا أعتقد أنني سأخونه حينما أقول إن هناك ترجمات أخرى لعدد من الشعراء في الطريق...
لنصل الآن الى الأدب السردي. الحق يقال، أدركه ميكيل مرة واحدة، من خلال الترجمة، مقترحاً ترجمة فرنسية لـ«كليلة ودمنة» (باريس، كلينكسيك، 1957) لبيدبا، ليس عن السنسكريتية، وإنما عن النسخة الفارسية لابن المقفع (توفي في عام 139 ـ 756). ولكنه بدأ مغامرته الكبيرة مع «ألف ليلة وليلة» في منتصف الخمسينيات، التي تقاسمها والأكاديمي والكاتب من أصل جزائري جمال الدين بن شيخ. في البداية، كانت هناك ترجمة وتحليل إحدى الحكايات، «غريب وعجيب» (باريس، فلاماريون، 1977). ثم تحليل «سبع حكايات» (باريس، سندباد، 1981)، حيث لخص العنوان الفرعي أو «لا توجد حكايات ساذجة» حل الطلاسم السياسية والاجتماعية التي تتحكم في «الليالي».

ثم، تحت عنوان «سيدات بغداد» (باريس، ديجونكيير، 1990)، ترجم إحدى حكايات «ألف ليلة وليلة» مع شروحات العديد من المتخصصين أمثال عالم السرديات كلود بريمون. ومع الأخير وبن شيخ، نشر ميكيل في العام التالي بحثاً معنونا ً«ألف ليلة وليلة» (باريس، جاليمار، 1991). في نفس العام، صدر ضمن سلسلة فوليو، وفي انتظار صدور الترجمة الكاملة، ترجمة غير كاملة «لألف ليلة وليلة»، في جزئين، تبعه بجزء ثالث في عام 1996، وتحت عنوان «سندباد والبحر وحكايات أخرى من ألف ليلة وليلة» صدر الجزء الرابع في عام 2001. وفي هذا العام أيضاً، صدر عن دار فاتا مورغانا «بعض حكايات ألف ليلة وليلة»، ثماني حكايات، ترجمت من قبل، ومجمعة حول موضوعة الكرم ومزيدة بالشروح والتعليقات. وجدت أيضاً هذه المغامرة نهايتها -أو بالأحرى رسامتها- مع صدور الجزء الأول من الترجمة الكاملة لـ«ألف ليلة وليلة» في عام 2005، عن «مكتبة البلياد»، ثم الجزأين المتممين في عام 2006، على الرغم من وفاة بن شيخ. وهكذا، بعد ثلاثة قرون على ترجمة أنطوان غالان (1646 ـ 1715) وبعد قرن على ترجمة جوزيف ـ شارل ماردوس (1868 ـ 1949)، ظهرت ترجمة جديدة لـ«ألف ليلة وليلة»: مؤسسة على المدونات العربية الأكثر اكتمالاً (طبعة القاهرة، 1835 وطبعة كالكوتا الثانية، 1839 ـ 1842، التي تعتبر بحق «ألف ليلة وليلة»)، وهي الأولى التي تمزج بين الدقة العلمية والذائقة الأدبية الأكيدة، تحديداً في اختيار، بصورة كاملة، الأبيات الشعرية العديدة التي تتقاطع والنص النثري.
ولكن مع الأدب المتخصص، كما في حالة المقدسي، ومع الشعر، كما في حالة «المجنون»، كان لميكيل، بالنسبة للأدب السردي، في المعنى العام للفظة، شخصية أثيرة. لا يتعلق الأمر بشخصية خيالية، وإنما بشخصية تاريخية، حتى وإن كانت سيرته الحياتية رواية حقيقية. كانت الشخصية لأسامة بن منقذ (توفي في 584 ـ 1188)، المحارب والأديب. ترجم، بعد هارتويج ديرينبورج (1844 ـ 1904)، «كتاب الاعتبار» تحت عنوان «كتاب تعاليم الحياة» (باريس، امبريموري ناسيونال، 1983). ومثلما كان الحال مع المقدسي في «فلسطيني على الطريق» أو مع «المجنون» في رواية «ليلى، عقلي»، كتب أتوبيوغرافيا، يتلاقى فيها ما هو علمي مع ما هو أدبي عنه، عنونها: «أسامة. أمير سوري في مواجهة الصليبيين» (باريس، فايار، 1986).
معرفاً نفسه كمستعرب (وليس كإسلامولوجي) وكمستعرب «كلاسيكي» تحديداً، اقترب إلى حد ما من الأدب العربي المعاصر، ترجم عدداً من قصائد الشاعر العراقي بدر شاكر السياب (1927 ـ 1964): «الخليج والنهر، باريس، سندباد، 1977)، ورواية للكاتب الفلسطيني أفنان القاسم، المولود في عام 1944:«النقيض، باريس، بابيروس، 1983)، ورواية وقصص للكاتب المصري نجيب محفوظ (1911 ـ 2006): «يوم قتل الزعيم، باريس، سندباد، 1989».
كبروفيسور، لآندريه ميكيل أعمال بين أيادي أجيال من الدارسين: «عن الأدب العربي»، في سلسلة ماذا أعرف؟ (باريس، ب. أو. اف، الطبعة الأولى 1969) أو المختصر «الإسلام وحضاراته، من القرن السابع الى القرن العاشر» (باريس، آرمان كولان، الطبعة الأولى 1968). مون الممكن أن يضيف المرء «عن الأدب العربي» (باريس، كاليغراف، 1983)، المخصص لقراء متخصصين. ومن المهم الإشارة الى أن ميكيل مؤلف، بمفرده أو جماعياً، عدداً من الأعمال التي تسطر التاريخ والحضارة الاسلامية.
من الممكن أن نؤكد، ومن دون الوقوع في الخطأ، أنه لا يوجد اليوم مستعرب في فرنسا وفي العالم تعادل بيبلوغرافيته آندريه ميكيل، ومن اللازم الرجوع إلى كبار مستشرقي القرن التاسع عشر حتى نجد ما يماثله من أعمال متنوعة. بعض كتبه أصبحت من الكلاسيكيات وأخرى تنادي المستقبل.
............................................
(*) Pierre Larcher, André Miquel, analyste et traducteur de la littérature arabe, Synergies Monde arabe n° 6 - 2009 pp. 7-10
(1) «Introduction à l’analyse structurale des récits», Communications n° 8, Paris, Le Seuil, 1966, p. 4, n. 1.
2 ـ ببساطة، استعمل بارت جملة مصطلحات أكثر تقنية: مجاز (حكاية)، استعارة (شعر، خطاب، حكمة)، اضمار (مقال ثقافي)

اقرأ أيضا

زايد.. قوة الإمارات الناعمة