الاتحاد

دنيا

الأطفال أيضا لديهم أسرار

حتى لا يكــون الآبــاء آخــر مــن يعلم
القاهرة- حنان فكري:
عندما يبلغ الطفل سن المدرسة أو قبلها بقليل يستطيع أن يفرق بين ما ينبغي أن يقال وما يجب الاحتفاظ به سرا··· وفي هذه المرحلة تكون اسرار الطفل التي يفضل الاحتفاظ بها واخفاءها خاصة به وحده وليست اسرار غيره، وغالبا ما تكون تلك الاسرار اخطاء او عيوبا لا يريد الطفل ان يعرفها احد مثل تبوله على الفراش او تحطيمه لاشياء في المنزل أو غير ذلك لكن الاشياء السارة حتى لو كانت خاصة جدا يحب الطفل البوح بها ولا يرى داعيا لاخفائها·· وعندما يكبر قليلا وبين سن التاسعة والثانية عشرة تتسع مساحة الاسرار لديه سواء كانت سارة او محزنة مثل علاقاته العاطفية او حواراته مع اصدقائه وزملائه في المدرسة لأنه يرى ان احتفاظه بأسراره دليل على ان له شخصية مستقلة وانه كبر بما يكفي لتكون له حياته الخاصة·
وتقول الدكتورة اسماء الجابري -استاذ علم النفس بالمعهد المصري الدراسات العليا للطفولة- ان الخوف من الاحراج واللوم وفقد الحب والمكانة والاحترام من أهم الاسباب التي تدفع الطفل للاحتفاظ بالسر وكذلك رغبته في الاستقلال عن والديه والشعور بأن له خصوصيات منفصلة عنهم بالاضافة الى خوفه من التعرض للخطر والمساءلة اذا أفشى السر أو خوفه من تشويه سمعة الاسرة وهذا يكون في عمر متقدم نوعا ما عندما يدرك الطفل معنى 'سمعة الاسرة'·
وتضيف: يمكن تقسيم الاسرار التي يحتفظ بها الاطفال في تلك المرحلة العمرية الى انواع تنحصر في الاسرار الشخصية والخاصة واسرار سارة واخرى محزنة· والأسرار الشخصية في السن الصغيرة تنتج عن كسر اشياء أو تناول اطعمة يمنع الاباء الاطفال من تناولها أو عدم القيام بحل الواجب المدرسي بأكمله، بالاضافة الى الامور المرضية كأن يخفي الطفل عن والديه مرضه بالصدفية أو بأي مرض جلدي آخر ليس ظاهرا بصورة واضحة او تدخين اعقاب السجائر في مرحلة عمرية أكثر تقدما· وفي المرحلة العمرية من 9 الى 12 عاما تظهر الاسرار المتعلقة بالعلاقات العاطفية·
أعراض الأسرار
وأضافت أن الاسرار الخاصة بالاصدقاء فتأتي في المرتبة الثانية ثم الاسرار التي يشترك فيها الطفل مع طفل اخر وتليها الاسرار المحزنة والنسبة المرتفعة فيها تتعلق بالخلافات الاسرية او ضرب الوالد للوالدة وعدم اعطائها نقودا لتلبية احتياجات المنزل وتركزت الاسرار الخاصة بالاخوة أو اللعب رغبة في تحقيق الفوز على الخصم في الذكور وهناك الاسرار السارة التي تمثلت في النكات ذات الالفاظ الاباحية الخارجة وتركزت ايضا في الذكور·
واشارت الى هناك مشاعر تصاحب الطفل اثناء فترة احتفاظه بالسر حيث يشعر بالقلق والارتباك والخوف ويرغب في الحصول على حب وتقبل الاخرين له أو تظهر عليه أعراض مرضية كحساسية الجلد او ضيق التنفس نتيجة لزيادة الضغط النفسي أو يشعر بالقييء والصداع او رعشة في يديه وزيادة في ضربات قلبه·· بالاضافة الى ظهور أعراض اكتئابية كأن يفقد الاهتمام بأمور كان مقبلا عليها او يصبح اكثر ميلا الى ضرب رأسه بالحائط ويفقد شهيته ورغبته في الاستذكار كما يصبح اكثر عصبية وتوترا قد يميل الى تكوين مفهوم سلبي عن ذاته فيقرر الانسحاب والبعد عن الاختلاط بالاخرين وكثيرا ما يصبح ذهنه شاردا بسبب التفكير في السر·
وقالت ان جميع الاطفال الذين اجريت عليهم الدراسة أجمعوا على استطاعتهم اخفاء السر طوال عمرهم لكن تراوحت مدة اخفاء السر في السن الاصغر من يومين حتى اربعة أيام وقد تصل لاسابيع أو شهور، وعدد قليل جدا من الاطفال قد يحتفظون بالسر سنوات·
وأضاف أن من الدلائل التي تكشف عن ان الطفل يخفي سرا ان يُظهر طاعة شديدة لاحد الوالدين أو يتحرك بطبيعته حتى لا يشعر احد به أو يخترع قصصا واكاذيب حتى لا يضطر الى افشاء ما بداخله أو يلجأ الى التحدث بلهجة حازمة ويضطر لاقامة حدود في علاقاته مع المحيطين به·
وتقول د· هدى الطحاوي -طبيبة اطفال ومستشار المجلس القومي المصري للطفولة والامومة- السخرية من اسرار الطفل وافكاره تأتي بنتائج سلبية على شخصيته وقد يصبح عديم الثقة بذاته وبالاخرين، ويشب انطوائيا خجولا من محادثة المحيطين به رغبة في عدم الاحتكاك بالآخرين وقد يتحول السر من امر بسيط الى بوادر مرض نفسي عندما يمثل اساءة للطفل كأن يتعرض لحادث مخيف أو مخجل أو لتحرش جنسي·
ويشير الدكتور هاشم بحري -استاذ الطب النفسي بجامعة الازهر- الى الفضول الطبيعي لدى الوالدين لمعرفة كل اسرار الانباء، وهذا قد يكون مبررا لأن الاهل يرون ان من واجبهم حماية الطفل من نفسه ويلجأون للضغط عليه واجباره على قول كل ما بداخله فيصبح كتابا مفتوحا لهم·
واكد ان اطلاع الاباء على كل ما بداخل اطفالهم يريحهم الا انه يسبب اشكالية لدى الاطفال، فيشبون اتكاليين لاعتيادهم على قول كل شيء للوالدين اللذين يرشدانهم الى التصرف الصحيح ويصبح الطفل غير قادر على انجاز شيء بنفسه ويستشير المحيطين به، وقليل من الاسرار يعطي الطفل قدرا من الخصوصية في مرحلة عمرية مبكرة فينمو طبيعيا ويتعلم من اخطائه، وعدم وجود تلك الاسرار يعني الغاء شخصيته·
وقال: لابد ان يعلم الوالدان طفلهما كيفية الاحتفاظ ببعض الاسرار تدريجيا·· وان يدركا انه لا يمكنه تحمل القلق الذي يلازمه طوال فترة احتفاظه بالسر، لذا يتجه الى افشائه، ولابد من تدريبه على الاحتفاظ بامور بسيطة في البداية ثم توسعها شيئا فشيئا، وعلى الوالدين ان يلتمسا له العذر اذا افشى سرا، كما ان نقل الخبرات اليه يساهم في تطوير تفكيره ونموه·
وتقول الدكتورة اسماء غيث -استاذ المناهج وطرق التدريس بجامعة عين شمس- يحرص الوالدان على كتمان احد خصوصيات اسرتهما إلا أن الطفل يستهويه ان ينقل هذا السر للخارج كنوع من اثبات الذات أو رغبة في ان يحظى بمكانة افضل عند احد الاقارب·· وعلى الام في هذه الحالة الا تعنفه أو توجه له اللوم·· أو تلفت نظره الى انه تفوه بكلمات خاطئة وان تدرك انه بمجرد تذكير طفلها بعدم افشاء امر ما فإنه قد يفشيه في اي وقت كما ان الام بهذا التنبيه تؤصل لديه سمة المراوغة وعليها ان تترك هذا الامر ولا تركز عليه أو توليه اهتماما واذا تعذر ذلك فلابد ان تحرص على عدم ذكر اي امور مهمة امام طفلها حتى لا يفلت زمام الامر·
وتقول الدكتورة هبة عيسوي -استاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس- أن هناك العديد من المدلولات المختلفة للاسرار العادية التي يتم الاحتفاظ بها عن العلاقات مع المحيطين فقد يكون الشخص قليل التحدث مع الآخرين ويجد صعوبة في التواصل ويعتمد على خبراته الشخصية ولا يهتم باستشاره من حوله ومن ثم فان لغة الحوار معه تكون صعبة وهذا ينتج عن عدم اعتياده التحدث مع والديه منذ الصغر فيشب على تلك الصفة·
وتضيف: قد يكون لدى الطفل استعداد لتكوين افكار وسواسية إلا انه يعتبرها سرا كشعوره بان والدته تأخرت في عملها قليلا أو يقوم بعمل ما بطريقة غير طبيعية، فتلك الافكار التي تمثل اسرارا له هي بداية اعراض وسواسية تتحول بمرور الوقت الى اكتئاب· والطفل الذي يحمل اسرارا لديه مخاوف من والديه بشكل كبير ويحرص على اتقاء عقابهما النفسي والجسماني كالضرب أو الاهانة، وفي نفس الوقت لا يرغب في الكذب عليهما فيلجأ لاخفاء ما قام به من سلوك·

اقرأ أيضا