الإمارات

الاتحاد

الإسعافات النفسية الأولية ضرورة مجتمعية

الحوادث المروعة والمواقف الصعبة تترك أثراً سلبياً كبيراً

الحوادث المروعة والمواقف الصعبة تترك أثراً سلبياً كبيراً

جمعة النعيمي (أبوظبي)

الكثير منا قد يتعرض خلال حياته اليومية إلى مشاهد مخيفة وخارجة عن سيطرته، فقد نجد أنفسنا أمام حادث مروري مروع أو نشاهد حوادث خطرة كسقوط من مرتفعات أو أعمال عنف وسرقة ويصعب على البعض التغلب على تلك التجارب التي عادةً ما تسبب ردة فعل قد تستمر أشهراً أو سنوات نتيجة الصدمة النفسية التي يتعرضون لها.
ويؤكد قانونيون أن الضرر النفسي الذي يلحق بضحايا وأطراف الحوادث العنيفة يستدعي المسؤولية القانونية، ويوجب التعويض في معظم دول العالم، إلا أن مسألة تقييم الضرر عائدة تماماً إلى اختصاص محكمة الموضوع التي تستخلص ذلك من الأدلة المطروحة عليها.
وكلما كانت التجربة مفاجئة أو خطرة أو دموية، فإن ذلك يجعل اضطراب ما بعد الصدمة أسوأ بحسب خبراء في علم النفس أكدوا أن نسب الإصابة بها تصل عالمياً إلى 30% في الشهر الأول لتنخفض إلى 14% في الشهر الثاني، وأن الإناث هن الأكثر عرضة للصدمة النفسية الحادة في غضون 6 أشهر بعد وقوع الحادث.
ويقول مسعفون إن الحوادث المروعة والمواقف الصعبة تترك أثراً سلبياً كبيراً على البعض عند مشاهدتها أو التعرض لها، كما أن لها أيضاً أثراً عميقاً على المسعف، وتحتاج إلى طريقة خاصة في التعامل معها، مؤكدين أن الإسعافات النفسية الأولية ضرورة مجتمعية.

توعية المسعف
يقول أحمد صالح الهاجري الرئيس التنفيذي للإسعاف الوطني: «بحكم طبيعة وخصائص العمل الإسعافي، يتعرض العاملون فيه بشكل روتيني للصدمات النفسية وأكثر بكثير مقارنة بعامة الناس، وذلك نظراً للمشاهد المؤلمة والحوادث المروعة التي يتعاملون معها بشكل يومي، ومن الضروري توعية المسعفين ومحيطهم بالصدمات النفسية والاضطرابات التي قد تحدث بعدها وكيفية التعامل معها، حيث يجب التعامل مع هذه الصدمات بجدية وإعانة المسعف على تخطيها في حال تأثيرها عليه سلبيا ًأو معاناته من أعراضها، لأن إهمالها قد تكون له انعكاسات سلبية على الاستقرار النفسي للمسعف وأدائه في الميدان».
وأضاف: «حرصنا في الإسعاف الوطني على تأسيس ثقافة داعمة في بيئة العمل ووضعنا السياسات والأنظمة الخاصة بالسلامة والصحة المهنية اللازمة لضمان تقديم الدعم وتوفير سبل المساعدة للمسعفين إن تطلب الأمر ذلك في مرحلة ما بعد الصدمة، إذ يوجد لدينا مجموعة الدعم النفسي التي هي عبارة عن شبكة داخلية من المسعفين والمدربين الخبراء الذين يقدمون الدعم لكل من يتعرض إلى الصدمة النفسية سواء كان من خلال لجوء هذا الشخص لهم أو ملاحظة الزملاء أو المدير أي تغييرات سلوكية عليه، وفي حال لم يتجاوب المسعف أو يتعافَ من الصدمة، نعمل على تحويله إلى مختص نفسي لحين شفائه التام».

طريقة خاصة
ويقول المسعف محمود أحمد المومني الذي يعمل في مجال الإسعاف منذ 10 سنوات إن الحوادث المروعة والمواقف الصعبة تترك أثراً سلبياً كبيراً على البعض عند مشاهدتها أو التعرض لها، كما أن لها أثراً عميقاً على المسعف كذلك وتحتاج إلى طريقة خاصة في التعامل مع تلك المواقف.
وذكر أن الحوادث لها أثر كبير على المسعف خاصة في بدايات ممارسته لهذه المهنة، حيث كان يأخذ في بدايات دخوله المجال وقتاً طويلاً في تجاوز الحوادث المؤلمة. وأوضح أنه على الرغم من قدرته على التحكم بمشاعره والحفاظ على تركيزه وهدوئه أثناء العمل، إلا أنه يشعر بالحزن الكبير بعد الانتهاء من المهمة وخاصة في حالات الوفاة، مشيراً إلى أنه أحياناً كان يشعر بالذنب بعدها مكرراً الحدث في ذهنه أكثر من مرة، ليسأل نفسه عما إذا كان بوسعه بذل جهد أكبر أو عمل شيء مختلف لإنقاذ حياة الأشخاص الذين كانوا في الحادث.

مواقف صادمة
ومن جانبها، قالت مزون محمد حسن مسعفة مواطنة تعمل في مجال الإسعاف، إنها قد واجهت الكثير من المواقف الصادمة منذ انضمامها لمهنة الإسعاف قبل عام واحد، مشيرة إلى أن ذلك أمر متوقع لأنهم كمسعفين، عرضة لمواجهة مواقف صعبة جداً وغير متوقعة، موضحة أن الصدمة النفسية تعتمد على جاهزية المسعف في التعامل معها وطريقة تفكيره وتعامله مع الموقف، فقد نجحت في التعامل مع الصدمات التي واجهتها حتى الآن بتقبل ورضا. وأوضحت: قد يكون الوضع في مرحلة ما بعد الصدمة بالنسبة لها هو عبارة عن مراجعة ذاتية تتضمن الأداء والإجراءات التي تم اتخاذها وكيفية التعامل مع الموقف بكل تفاصيله، مشيرة إلى أن نتائج المراجعات كانت إيجابية بالنسبة للمواقف التي مرت بها وما يتعلق بأداء مهامها وواجباتها كمسعفة واتخاذ الإجراءات السليمة لإسعاف المريض أو المصاب الذي كان بين يديها، ولكن في نفس الوقت يبقى الأثر بالذاكرة سواء كان رائحة أو مكاناً أو صورة لأنه من شبه المستحيل أن ينسى الإنسان الروائح والصور والأماكن العالقة في الذاكرة والتي ما إن يراها أو يشمها حتى يسترجع الحادثة وكل تفاصيلها.
وأضافت: «عند التعرض للصدمة يجب أن نتفهم ما حدث، والتحدث عما حدث مع زملائنا أو شخص نثق به أو فريق الدعم النفسي الموجود في الإسعاف الوطني لمساندة المسعفين. كما أنه لا يجب إهمال أو كبت المشاعر التي تزعج وتؤرق المسعف بسبب ما حدث».

انضباط وشجاعة
وقال بهاء مصطفى، مدرب طبي، يعمل في مجال الإسعاف منذ 6 سنوات: تتطلب مهنة الإسعاف الكثير من الصبر وانضباط النفس والشجاعة في مواجهة المواقف الصعبة والقدرة على تحمل الصدمات والمشاهد المؤلمة والحوادث المروعة التي يتعامل معها المسعف. ولاشك أن عمله كمسعف قد يعرضه لصدمات من حين إلى آخر، ولكن من المهم جداً معرفة كيفية تجاوز هذه الصدمات وعدم تأثيرها سلباً على الصحة النفسية أو الأداء المهني.
وأشار إلى أنه من المواقف المؤثرة جداً والمحفورة بذاكرته، موقف حدث في إحدى الليالي، وكما هو معتاد أن يكون على أهبة الاستعداد لأي بلاغ يرد إليه، فتم استدعاؤهم لحادثة سقوط في منتصف الليل ولم تتوفر في حينها كامل التفاصيل عن الحالة، وتمت الاستجابة على الفور وبمجرد الوصول للموقع، وجد طفلة صغيرة تبلغ من العمر 6 سنوات ملقاة على الأرض وفي وضع سيئ بعد سقوطها من الطابق الـ12 من نافذة بناية. ولكونه رب أسرة ولديه أطفال كان من المحزن جداً رؤية المشهد خاصة عندما أيقن بعد تقييم الحالة بأنه ليس بالإمكان إجراء أي إسعاف لها بسبب مفارقتها الحياة فور سقوطها.
ولفت إلى أن ما زاد من حدة الموقف وجعله يبدأ بالتفكير أنه كيف كان بإمكانه منع هذا الموقف من الحدوث وإنقاذ حياتها، مشيراً إلى أنه وقف لعدة ثوان يفكر في ابنه الصغير وفي عائلته واحتمالية وقوع هذا الحادث لأي شخص، ثم تمالك نفسه وقام بعمل الإجراءات اللازمة.
وأضاف: «لقد ساعدني التواصل مع فريق الدعم النفسي المتواجد في الإسعاف الوطني لدينا بشكل كبير على تخطي الموقف وتجاوز القلق والتوتر وتشتيت نفسي عن التفكير، كما أسهم دعم العائلة والأصدقاء في عودتي إلى طبيعتي وتفكيري الإيجابي حول الأمور».

الخبراء والعلاج
خبراء في علم النفس يؤكدون أن الصدمة النفسية تكون ناتجة عن قدر هائل من الإجهاد بدرجة تتجاوز قدرة الفرد على التغلب عليها أو التأقلم معها، وقد تكون هذه الصدمات بسبب أشياء عديدة منها حوادث الطرق التي قد تؤدي إلى أنواع من الاضطرابات النفسية مثل اضطراب الصدمة الحاد (خلال سته أشهر من الحادث) واضطراب ما بعد الصدمة (مرور سته أشهر أو أكثر على الحادث).
وقالت الدكتورة ليلى محمود -اختصاصية الطب النفسي: إن اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) هو حالة من اختلال الصحة النفسية تنجم عن حدث مروع، إما لتجربة ذلك أو مشاهدته، وقد تشمل الأعراض تذكر الصدمة والكوابيس والقلق الشديد، وكذلك الأفكار التي لا يمكن السيطرة عليها حول هذا الحدث.
وتابعت: «تعتمد نسبة حدوث وشدة اضطراب ما بعد الصدمة عند الأشخاص الذين شهدوا أو نجوا من حوادث على الجنس والعمر ومكان الإصابة وطرق العلاج والشعور بالمسؤولية عن الإصابة، حيث تصل نسبة الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة عالمياً إلى 30% في الشهر الأول وإلى 14% في الشهر الثاني، كما تختلف لدى الذكور عن الإناث فإن 19.7% من الإناث و13.2% من الذكور الناجين من الحوادث تم تشخيصهم باضطراب ما بعد الصدمة في غضون 6 أشهر بعد وقوع الحادث».
وشددت على أهمية التشخيص وإجراء تقييم نفسي لتفادي تلك الأزمات النفسية عبر استخدام طرق مبتكرة في العلاج النفسي مثل العلاج المعرفي السلوكي الذي يساعد هذا النوع من العلاج على التعرف على طرق التفكير (الأنماط المعرفية) التي تبقي الفرد عالقاً في الصدمة -على سبيل المثال، المعتقدات السلبية وخطر حدوث أشياء مؤلمة مرة أخرى. ولذلك بالنسبة للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة، غالباً ما يستخدم العلاج المعرفي السلوكي مع علاج التعرض.

مبادئ مهمة
قال الدكتور علي المنوفي مستشار قانوني، إن من المبادئ المهمة التي نص عليها قانون المعاملات المدنية مبدأ المسؤولية عن الفعل الضار وهو ما عبّر عنه فقهاء المسلمين بعبارة الضمان، ويمكن القول بأنه يعني إلزام الشخص بتعويض المتضرر عن الضرر الذي حصل له نتيجة فعله، وهذا التعويض يشمل ما لحق المتضرر من خسارة وما فاته من كسب، وسواء كان الضرر مادياً أو أدبياً. والضرر الأدبي هو كل ما يمس الكرامة أو الشعور أو الشرف بما في ذلك الآلام النفسية.
وأوضح بأن قانون المعاملات المدنية، نص على أن كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بالضمان، وما اصطلح على تسميته قانوناً المسؤولية التقصيرية لا تنشأ إلا بتوافر 3 أركان، ومنها الركن الأول وهو الفعل الإيجابي أو السلبي الخاطئ، وأما الركن الثاني فهو الضرر، بينما الركن الثالث يعنى بتوافر علاقة سببية تربط بين الفعل والضرر، أي لابد أن يثبت أن الضرر الذي لحق بالمتضرر كان بسبب الفعل المرتكب. وأوضح أن تقدير الضرر وتحديد التعويض الجابر له هو من المسائل التي تختص بها محكمة الموضوع تستخلصه من الأدلة المطروحة عليها، وليس هناك معيار حسابي لتقدير التعويض عن الأضرار التي لحقت بالمتضرر، إذ لم يرد نص في القانون يضع معايير معينة لتقدير مبلغ التعويض وأعطى القانون لمحكمة الموضوع السلطة التقديرية الواسعة لتقدير التعويض المناسب مستصحبة الأصل العام وهو أن التعويض يقدر بمقدار الضرر المباشر الذي لحق بالمتضرر وما فاته من كسب، وأورد قانون المعاملات المدنية أمثلة لأنواع من الضرر الأدبي تبيح طلب التعويض عنها.

الإثبات والتعويض
المستشارة زينب الحمادي مدير عام جمعية الإمارات للمحامين والقانونيين بفرع أبوظبي، تحدثت عما يتعلق بالإثبات والتعويض عن الضرر النفسي، موضحة أن المسؤولية تنقسم هنا إلى مسؤولية عقدية ومسؤولية تقصيرية، فالمسؤولية العقدية لا تكلف مدعي التعويض بإثبات خطأ من خصمه وإنما يكتفي بإثبات الرابطة العقدية. أما المسؤولية التقصيرية، فيجب أن يتم إثبات الخطأ والضرر الذي ينسب إلى المسؤول بأنه حدث به.
ويرى سالم سعيد الحيقي مستشار قانوني، أن الضرر المعنوي أو الأدبي أو النفسي يصيب الشخص في مصلحة غير مالية، وهذا الضرر لا يمكن لمسه فهو متعلق بجانب غير مادي، لاختصاصه بالجوانب العاطفية أو الشعورية أو الكرامة أو إساءة السمعة، موضحاً أن ذلك يعني أنه يحق لأي شخص إذا وقع عليه ضرر نفسي المطالبة بالتعويض.

دعم نفسي لتجاوز الصدمة
قال الدكتور أيمن أحمد المدير الطبي في الإسعاف الوطني، إن المسعف يعد الأكثر عرضة للصدمة النفسية كونه يمر خلال ممارسته المهنة بالعديد من المواقف الصعبة التي قد ينتج عنها صدمات نفسية، والتي تنتج عن تعامل المسعف مع حالة غير اعتيادية لوضع غير متكرر أو تعرضه لواقعة مؤلمة أو تجربة مأساوية أو مجموعة من الأحداث المتكررة التي يصعب على النفس استيعابها مما يؤدي لحالة من الكرب والتوتر الشديدين والتي من الممكن أن تلازمه لفترة قصيرة يستطيع تجاوزها بسرعة، أو طويلة لا يستطيع السيطرة عليها مما قد تتسبب في حدوث أذى أو ضرر نفسي أو عضوي عليه في حال إهمالها، وهنا يحتاج المسعف إلى الدعم النفسي لتجاوز الصدمة والتعافي منها واستعادة الاستقرار النفسي والعقلي.
وأوضح أن أعراض الصدمة النفسية تتمثل في الخوف من تكرار الحدث، والنكران، والشعور بالذنب حول ما حصل، والإفراط في الغضب وصعوبة التركيز، والقلق ومشاكل في النوم (الأرق)، والتشاؤم المستمر من حدوث الأسوأ، وأمراض الخوف والوساوس القهرية، والتخدير العاطفي والانعزالية، وتسارع في ضربات القلب، والإجهاد والشعور بالتعب والصداع والغثيان.

الضرر الناتج بفعل الخطأ
قال عصام العمران، مستشار قانوني وعضو في جمعية الإمارات للمحامين والقانونيين بفرع أبوظبي، إنه بالنسبة لوجوب التعويض عن الضرر النفسي يشترط أن يكون الضرر ناتجاً بفعل الخطأ على أن يتم إثبات العلاقة السببية بين الفعل والضرر الناتج عنه، موضحاً أن هذا ما يطبق عليه في الفقه الإسلامي (المسؤولية عن الفعل الضار) وقانوناً بالمسؤولية التقصيرية أي وبمعنى أشمل يجب أن تتوافر رابطة سببيه بين الفعل والضرر وأن يكون الضرر متولداً عن الخطأ المنسوب للشخص مباشرة أو تسبباً مباشرة بمعنى اتصال الفعل الصادر بغيره، أما تسبباً فاتصال أثر الفعل الصادر بغيره. وعليه متى ما توافرت وثبتت عناصر الضرر الموجبة للتعويض أو الضمان من الفعل والضرر وعلاقة السببية بين الفعل والضرر بحيث يكون الضرر منبثقاً وناتجاً عن الفعل الخاطئ حكم بالتعويض بمقدار الضرر. وأوضح أنه بهذا الخصوص نص قانون المعاملات المدنية الإماراتي في المادة 282 منه على أن كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر، مبيناً أن مفاد ذلك أن كل شخص يلحق ضرراً بالآخر بصورة متعمدة أم غير ذلك فإنه يكون مسؤولاً عن جميع ما أصاب المتضرر من ضرر بصرف النظر عن حالة ووضع المتضرر ونوع الضرر.

اقرأ أيضا

350 وحدة ضوئية تزيّن شوارع العين احتفاء بشهر رمضان