الاتحاد

دنيا

رشيد.. مدينة مصرية تحتضن التاريخ

المساجد الأثرية تنتشر في رشيد (الصور من المصدر)

المساجد الأثرية تنتشر في رشيد (الصور من المصدر)

محمد عبدالحميد (رشيد) - مدينة رشيد المصرية متحف مفتوح لمجموعة من أندر وأهم الآثار من مختلف العصور، التي مرت بمصر، كما تتمتع بجمال الطبيعة ما جعلها مقصداً لهواة السياحة الخضراء في العالم، حيث يمر فيها فرع النيل من أولها إلى آخرها حتى يصب في البحر المتوسط، وبها نقطة التقاء نهر النيل بالبحر المتوسط وبها مصيف جميل هادئ على البحر، وأيضاً مصيف آخر على النيل وطقسها لطيف صيفاً وشتاء. وتحيط بها أشجار النخيل وحدائق الفواكه من كل جانب.
خريطة سياحية
تبعد مدينة رشيد عن القاهرة نحو 262 كيلومتراً من جهة الشمال، وهي تنتمي إدارياً لمحافظة البحيرة، وأولت الأجهزة الرسمية في مصر اهتماما برشيد لأجل وضعها على خريطة السياحة بالصورة التي تتناسب مع ما تتمتع به من مقومات فريدة يندر وجودها في أي مكان آخر، إلى جانب تاريخها النضالي الطويل.
إلى ذلك، يقول اللواء مهندس مصطفى كامل هدهود محافظ البحيرة إن مدينة رشيد من أهم المدن التاريخية في العالم، وهناك خطة عمل للحفاظ عليها كمدينة أثرية للاستفادة منها في دعم السياحة المصرية خلال الفترة المقبلة، خاصة أنها تعد من مدن التبادل الحضاري كونها كانت تشهد مرور الكثير من الأجانب والجنسيات المختلفة والكثير منهم عاشوا فيها بحكم التجارة.
ويضيف «رشيد بها آثار من عصور مختلفة فرعونية وإغريقية ورومانية، وأخرى من زمن الفتح العربي ودولة المماليك وزمن محمد علي باشا».
ويؤكد إبراهيم الشيمي، رئيس مدينة رشيد، أن الزائر للمدينة يمكنه تفقد معالمها السياحة بسهولة ويسر، حيث تربطها شبكة من الطرق المرصوفة والواسعة التي تسهل حركة المرور.
ومن أشهر شوارعها عبدالسلام عارف والصيرفي والسلام والزهور والمساكن ومطحن سلندرات، ومن أهم قراها الجدية والحماد ومحلة الأمير وعزبة الشريف وأدفينا وبرج رشيد، ويعمل فريق من أهلها بالزراعة والصيد ويعمل آخرون في مجالات تتعلق بالسياحة والمشغولات اليدوية، ويعلق أهالي رشيد كغيرهم من المصريين آمالاً كبيراً على استقرار الأوضاع السياسية، وعودة الأمن والأمان لمصر مرة أخرى ما يساعد على استعادة السياحة لعافيتها.
22 منزلاً
تضم رشيد اثنين وعشرين منزلا أثريا متناثرة في شوارعها، وقد بنيت هذه المنازل من «الطوبة الرشيدي» السوداء، والمنازل تعكس ما كان يتميز به أهل المدينة في عصري المماليك والعثمانيين من التقدم في العمارة والنجارة والبناء، كما تعكس الطابع الإسلامي الذي كان موجوداً في ذلك الوقت بما تحويه من مشربيات وصالات استقبال ونقوش كوفية وأشغال صوفية أو قباب مبنية بالطوب، وأهمها بيت «الأمصيلي» ويعود إنشاؤه إلى عثمان آغا الطوبجي عام 1213هـ -807م، ويتكون من ثلاثة أدوار ويمتاز بطرازه المعماري الفريد المعتمد على التشكيلات الخشبية الرائعة والمطعم بالصدف وسن الفيل، وبه أسقف من الخشب بها نقوش عربية وأطباق على شكل نجوم. وهناك منزل حسيبه غزال وهو ملحق ببيت الأمصيلي، وهو مخصص للنوم، وتتميز عمارته بوجود كمية كبيرة من الخرط الخشبي بأشكاله المختلفة من ميموني وصهريجي وكنائسي، وهذه الأنواع يندر وجودها الآن كما تلفت النظر في عمارة المنزل أيضا «السرة»، التي تتوسط المنزل، والتي كانت مخصصة لوضع القنديل لإنارة البيت.
وعلى بعد خطوات من هذا المنزل يوجد بيت أثري آخر هو بيت الميزوني البواب، وتم بناؤه عام 1153هـ -1740م، ويقال إن زبيدة زوجة الجنرال جاك مينو القائد الثالث للحملة الفرنسية على مصر كانت تعيش في هذا البيت قبل أن تتزوجه ويشهر إسلامه بعد ذلك وسمى نفسه عبد الله مينو، والمنزل يتكون من أربعة طوابق الأول عبارة عن مخزن للغلال وسبيل مياه، والثاني «سلاملك»، أما الثالث «حرملك»، وكذلك حجرات خاصة لأهل البيت، ويحتوي الدور الرابع على حمام وبعض الحجرات الخاصة بإقامة النساء. وبالقرب منه تقع طاحونة «أبو شاهين» الأثرية وهي مزدوجة ذات مدارين لا يزالان صالحين للاستعمال إلى اليوم.
كما تتمتع رشيد بوجود متحف يضم قرابة 700 قطعة أثرية من عصور مختلفة، يتكون من مبنيين أحدهما مبنى أثري، يتكون بدوره من ثلاثة طوابق، يرجع إلى عصر الدولة العثمانية وكان في الأصل بيت عرب كيلي محافظ رشيد في ذلك الوقت، وفي الستينيات تم تحويل المبنى إلى متحف صغير لإبراز دور المدينة في مقاومة الحملة الفرنسية، ثم حملة فريزر الإنجليزية، ويضم المتحف مقتنيات ونماذج تبرز كفاح شعب رشيد والمعارك التي خاضها ضد المستعمر الفرنسي والإنجليزي، وتتضمن نماذج وصورا للمعارك وللحياة الأسرية في رشيد والصناعات الحرفية الشعبية ومخطوطات وأدوات للحياة اليومية، بالإضافة إلى نسخة من حجر رشيد الذي كشف عنه عام 1799 ومجموعة من الأسلحة من القرنين 18، 19.
مساجد نادرة
كما توجد في رشيد مجموعة من المساجد الأثرية النادرة أبرزها مسجد «أبو مندور»، الذي يقع أقصى الناحية القبلية للمدينة في مكان ساحر هو تلة «أبو مندور»، التي تتخذ شكل شبه جزيرة، وهي عبارة عن ربوة مرتفعة تتمتع بآيات الفن والجمال، ويرتفع السقف الغربي للمسجد على أربعة أعمدة من الرخام الأبيض المزخرف، وقاعدته منقوشة بنقوش إسلامية، وللمسجد ست شبابيك وعلى يسار الداخل من الباب البحري يوجد قبر صاحب المسجد.
وهناك مسجد «زغلول»، ويعود تاريخ إنشائه إلى عام 985هـ -1577م، وهو يتكون من جامعين متصلين ببعضهما النصف الشرقي ويعرف باسم «الإيوان» والنصف الغربي أسسه زغلول وهو مملوك لأحد المماليك الذين عاشوا في القرن السابع عشر الميلادي ويبلغ طول المسجد 90 متراً وعرضه 48 م، ويحتوى على 244 عمودا من الرخام والجرانيت تحمل سقفا على شكل قباب صغيرة على الطراز العثماني، ويسجل التاريخ لهذا المسجد أنه في عام 1807م صدرت منه إشارة بدء المقاومة الشعبية للانقضاض على حملة فريزر وانتقم الإنجليز منه فحطموا إحدى مئذنتيه.
وعلى مقربة منه مسجد أبي الريش الذي يقع بالقرب من بوابة أبي الريش شمال رشيد ومساحته نحو 55 متراً ويرتفع عن الأرض بحوالي متر وله مئذنة ووجه على إحدى جدرانه. أيضاً هناك مسجد العباس 1224هـ -1809م، ويعد من أجمل مساجد رشيد ويقع على شاطئ النيل من الناحية القبلية وأنشأه محمد بك طبوزاده، ويقع جنوب رشيد وبني بالطوب المزركش. وهناك مسجد دمقسيس الذي أنشأه صالح آغا دمقسيس 1116هـ - 1714 ميلادية، وهو مزخرف باستعمال الطوب في أوضاع هندسية جميلة وفي منتصف الواجهة توجد المئذنة ويعرف هذا المسجد أيضا باسم «المسجد المعلق»، لأنه يقع في الدور الأول العلوي وجدران المسجد وحائط القبلة مبطنة بالقيشاني الملون ومثله تماما مسجد سيدي على المحلى ويتميز بأن أرضيته مبطنة بالقيشاني والخشب المخروط، ويقوم على 99 عموداً على مختلف الأشكال الهندسية وله ستة أبواب مزخرفة واجهاتها بالطوب المنحوت وتختلف كل واجهة عن الأخرى، ويتوسطه صحن وتقع الميضأة غرب الجامع، وتتكون من مظلة مرفوعة على 12 عموداً.


أصل التسمية
حول سبب تسميتها بهذا الاسم، يوضح إبراهيم الشيمي، رئيس المدينة، أنه يرجع إنشاء رشيد كمدينة إلى زمن الفراعنة حيث كانت تعرف باسم «رخيت» بمعنى «عامة الناس»، واشتهرت في ذلك الوقت بصناعة العجلات الحربية، وفي العصر القبطي أطلق عليها «رشيت» حتى كان الفتح الإسلامي على يد عمرو بن العاص، رضي الله عنه، والذي دخلها بعد أن فتح مدينة الإسكندرية عام 21هـ، وكان حاكم رشيد القبطي يسمى قزماس، وهو الذي عقد صلحا مع ابن العاص، وأدى الجزية للمسلمين، وبقيت الكنائس في المدينة لمن بقي على دينه، وقد استطاب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم سكنى المدينة فعمروها وأقاموا البيوت وبنوا المساجد وأطلقوا عليها رشيد، ولاتزال تعرف بهذا الاسم حتى الآن.


حجر يكشف تاريخاً
تعد «قلعة قايتباي» من أشهر معالم مدينة رشيد وتقع على الشاطئ الغربي للنيل على بعد ستة كيلومترات جنوب المدينة، وقد عرفها المؤرخون الأجانب باسم قلعة جوليان، وأنشأها السلطان المملوكي الأشرف قايتباي سنة 1479 ميلادية لتدافع عن هذا الثغر، وهي مستطيلة الشكل ويوجد في نواحيها أبراج دائرية وبأسوارها مزاغل، وفي حوش القلعة الداخلي بقايا مبنى مستطيل كان يحتوي على حجرات للجند ومخازن ومسجد وصهريج مياه، وهي تختلف في تصميمها عن قلعة قايتباي الموجودة في الإسكندرية. وفي أغسطس 1799 عثر «بوشار» أحد ضباط الحملة الفرنسية على الحجر المشهور بحجر رشيد تحت أنقاض هذه القلعة، والذي تم من خلاله فك رموز اللغة الهيروغليفية القديمة، وبالتالي الكشف عن كل التاريخ المصري وهو ما أدى إلى ذيوع شهرة المدينة في العالم.


حمام عزوز
يقع فـي مدينــة رشـيد حمام «عزوـز»، وهـو من أبرز معالمها الأثريـة، وقـد أنـشئ فـي أواخر القرن الثانـي عشـر الهجـري، وظل يؤدي مهمته حتى منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، وكان مخصصاً للنساء يومي الاثنين والجمعة من كل أسبوع، وبقية أيام الأسبوع كانت للرجال، ويتكون من مجموعتين الأولى للاستقبال حيث كان يجلس المعلم بمقصورته الخشبية، التي تتوسطها نافورة من الرخام، والسقف عبارة عن «شخشيخة» مصممة هندسيا من الخشب، أما المجموعة الثانية فأرضيتها من الرخام وتتوسطها نافورة من الرخام والقيشاني وحولها جمرات المغطس والاستحمام والسقف عبارة عن قباب تتخللها أطباق زجاجية للإنارة.

اقرأ أيضا