الاتحاد

دنيا

الأذكار والإنشاد والمدائح النبوية مظاهر رئيسية

مجموعة من الأطفال يقدمون بعض الأناشيد والمدائح (من المصدر)

مجموعة من الأطفال يقدمون بعض الأناشيد والمدائح (من المصدر)

خورشيد حرفوش (أبوظبي) ـ تحتفل الأمتان العربية والإسلامية في مثل هذا اليوم من كل عام بذكرى مولد سيد الكائنات وخاتم الأنبياء والمرسلين، نبي الرحمة الرسول الكريم محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام.
وبشكل عام لا تختلف كثيراً مظاهر الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف بين دولة إسلامية وأخرى، فقد درج السلف الصالح منذ القرنين الرابع والخامس على الاحتفال بمولد الرسول الأعظم، بإحياء ليلة المولد بشتى المظاهر والاحتفالات وتلاوة القرآن والأذكار وإنشاد الأشعار والمدائح في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وفي هذا اليوم تقوم حكومات الدول الإسلامية والعربية بتنظيم العديد من النشاطات الجماهيرية في مختلف قطاعاتها، حيث تلقى قصائد في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وتذكير المسلمين بقصة مولد النبي وما فيها من حكم وعبر، وحيث يتنافس المسلمون في تعظيم هذا اليوم بأعمال البر وإخراج الصدقات على الفقراء والمُحتاجين، وقراءة القرآن الكريم، والتسبيح والتهليل وكثرة الاستغفار.
?في الإمارات
تحتفل الإمارات بذكرى المولد النبوي الشريف، بإقامة الاحتفالات الدينية الكبيرة في المساجد بمشاركة عدد من المسؤولين ونخبة من العلماء وحضور كبير من الجماهير، حيث يتحدث الخطباء عن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه الكريمة، وشمائل المصطفى عليه أفضل الصلاة والتسليم، وجوانب سيرة الرسول الكريم ورسالته وما تخللها من مواقف وأحداث غيرت حال البشرية جمعاء وأخرجتها من الظلمات إلى النور.
كذلك تقام الاحتفالات الدينية، حيث تقدم الأناشيد والموشحات الدينية التي تتحدث عن صفات النبي عليه الصلاة والسلام، باعتباره النعمة المهداة والرحمة المسداة للبشرية جمعاء.
كذلك تحتفل المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، والهيئات الحكومية والأهلية، كما تنشط الفعاليات الاجتماعية.
في مصر
أقيم أول احتفال بالمولد النبوي الشريف في مصر في عهد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله عام 973 هجرية، ولم تتغير مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي منذ بداية الاحتفال به على وجه التقريب، وخاصة في الريف والأحياء الشعبية وفي المدن الكبرى، حيث تقام السرادقات حول المساجد الكبرى وتضم زوار المولد النبوي الشريف من مختلف قرى مصر والباعة الجائلين والسيرك البدائي، والمنشدين والمداحين الذين تخصصوا في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومن العادات المُصاحِبَة لهذا اليوم «موكب الحصان» الذي لا يزال مُنتشِراً في أغلب المناطق المصرية، وعادة ما يبدأ من منطقة «الدرّاسة» في شارع الأزهر، بالقاهرة حتّى يصل إلى مسجد الحُسين بن علي رضي الله عنه، ويكون الحصانُ مُزيّناً بملابسَ نُقِشَ عليها بعض الأذكار، وأسماء الخُلفاء الراشِدين الأربعة، والصلاة على محمد نبي الإسلام.
وتقوم الأسر بتحضير الأطعمة الخاصة بالمناسبة، وتوزيعها على الفقراء من أجل نيل الثواب والأجر، وتوزع الحلويات التي ترتبط بالمناسبة مثل: «الفولية والسمسمية والشكلمة وجوز الهند والبسيمة». لكن من أهم مراسم الاحتفال بذكرى المولد النبوي عند المصريين منذ العصر الفاطمي، «عروسة المولد» و«الحصان»، التي تصنع وتغطي شوارع المدن والقرى، والمحال والأسواق، ويقبل عليها الأطفال، وكانت تصنع من السكر الخام الملون، على هيئة حلوى وتجمل بالألوان الزاهية، وأشكالها لا تتغير حيث تكون على شكل عروسة يداها في خصرها وتزين بالأوراق الكريشة الملونة والمراوح الورقية الملتصقة بظهرها. وتوارث المصريون عبر الزمن الاحتفال بالمولد النبوي حتى عصرنا الحالي، ولم تتغير مظاهر الاحتفال كثيراً عن العقود الماضية، خاصة في الريف والأحياء الشعبية في المدن الكبرى.
عروس المولد
وظلت «عروس المولد» واحدة من أيقونات التراث الشعبي التي اتخذت لها في قلوب المصريين مكاناً كرمز للحب والوصال بين الأحبة، وربما ارتباط عروسة المولد في وجدان المصريين لم يكن فقط منذ احتفالات العصر الفاطمي، لكنه تحور لـ «عروسة النيل» التي كان يقدمها المصريون هدية للنيل ليفيض بالخير عليهم ومن هنا ترسخ لدى المصريين أن أفضل هدية لحبيب هي العروسة.
وفى صعيد مصر بشكل خاص ترسخ في الوجدان الشعبي عروس المولد ولم تعد ترتبط عروس المولد فقط باحتفالات مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ويكون المولد فرصة ليعرب فيها كل محب عن مدى حبه لعروسه أو خطيبته، ويتسابق الشباب في الذهاب للمولد لشراء العروسة، كعربون المحبة بين الخطاب والمحبين وكان الاحتفاظ بها من جانب العروس للعام التالي، أو للمولد القادم دلالة لدى العريس على مدى حب عروسه له واحتفاظها بهديته، ودلالة على اعتزازها بتلك الهدية ما يعنب حبها وإخلاصها له. فتقوم الفتيات بتعليق العروس الحلاوة في سقوف غرفهن ووضعها في أكياس بلاستيكية مع بعض الأعشاب، حتى لا يطالها النمل أو القوارض أو وضعها بين جهازهن في الركن المخصص لهدايا العروس.
في المغرب
الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في المغرب، يعتبر مظهرا من مظاهر حب الرسول وإجلال شخصيته في نفوس المسلمين، ويمثل هذا اليوم لدى المغاربة طابعا دينيا واجتماعيا، حيث تلتقي الأسر فيما بينها لما لذلك من دور في ترسيخ الروابط والأواصر والتمسك بالتقاليد المغربية الأصيلة والتشبث بالقيم ومنح القدوة للأجيال الناشئة.
وترتبط هذه المناسبة الدينية الجليلة عند أهل المغرب بعدد من الطقوس التي دأبوا على ممارستها والتي تؤكد مدى تمسكهم بالدين الإسلامي الحنيف وتشبثهم بقيمه السمحة.
وتتنوع مظاهر الاحتفال بهذه الذكرى بين المواكب الدينية ومجالس العلم، وتلاوة القرآن الكريم، وقراءة الأمداح النبوية، والأذكار، وسرد السيرة النبوية الشريفة، وإقامة المولديات في المساجد، وتنظيم المواسم الدينية في الزوايا تخليدا لهذه الذكرى العطرة.
ولعل أبرز مظاهر الاحتفال بهذه المناسبة التوجه إلى بيوت الله برفقة الأطفال وإحياء ليلة الذكر، بما يليق بها من خشوع وإجلال روحاني لذكرى مولد سيد الكونين وخاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
كما يعتبر الاستماع إلى «الطلبة» وزيارة الأضرحة، من أهم العادات والطقوس للاحتفال بالمولد النبوي الشريف، حيث تشهد الأضرحة والزوايا نشاطا متميزا ومكثفا في هذا اليوم، الذي تنظم به أمسيات للسماع والمديح وترتيل القرآن الكريم ترتيلا جماعيا، إلى أن يأتي وقت تناول وجبة العشاء التي تكون في الغالب عبارة عن أطباق من الكسكس المغربي التقليدي.
كما يرتبط إحياء هذه الذكرى بتبادل الزيارات، وترتبط هذه المناسبة في التقليد المراكشي بختان الأطفال، الذي تعد له الأسرة العدة اللازمة، إلى جانب الاحتفالات التي تقام طيلة أسبوع عيد المولد النبوي ببعض أضرحة الرجالات السبعة لمراكش كـ «مول لقصور»، و«سيدي بلعباس».


قصة الاحتفال
من العادات الحسنة الاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا العمل لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا فيما يليه، إنما أحدث في أوائل القرن السابع للهجرة، وأول من أحدثه ملك إربل وكان عالما تقيّا شجاعا يقال له المظفر. جمع لهذا كثيرا من العلماء فيهم من أهل الحديث والصوفية الصادقين.
فاستحسن ذلك العمل العلماء في مشارق الأرض ومغاربها، منهم الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني، وتلميذه الحافظ السخاوي، وكذلك الحافظ السيوطي وغيرهم.
وذكر الحافظ السخاوي في فتاواه أن عمل المولد حدث بعد القرون الثلاثة، ثم ما زال أهل الإسلام من سائر الأقطار في المدن الكبيرة يعملون المولد ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم.
وللحافظ السيوطي رسالة سماها «حسن المقصد في عمل المولد»، قال: «فقد وقع السؤال عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول ما حكمه من حيث الشرع؟ وهل هو محمود أو مذموم؟ وهل يثاب فاعله أو لا؟ والجواب عندي: أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس، وقراءة ما تيسر من القرآن، ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع في مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك، هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف.
قال ابن كثير في تاريخه: «كان يعمل المولد الشريف - يعني الملك المظفر - في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً، وكان شهماً شجاعاً بطلاً عاقلاً عالماً عادلاً رحمه الله وأكرم مثواه. قال: وقد صنف له الشيخ أبو الخطاب ابن دحية مجلداً في المولد النبوي سماه «التنوير في مولد البشير النذير» فأجازه على ذلك بألف دينار، وقد طالت مدته في المُلك إلى أن مات وهو محاصر للفرنج بمدينة عكا سنة ثلاثين وستمائة محمود السيرة والسريرة».ا.هـ.
ويقول الإمام متولي الشعراوي في كتابه «مائدة الفكر الإسلامي»:
إذا كان بنو البشر فرحين بمجيئه لهذا العالم، وكذلك المخلوقات الجامدة فرحة لمولده وكل النباتات فرحة لمولده وكل الحيوانات فرحة لمولده وكل الجن فرحة لمولده، فلماذا تمنعوننا من الفرح بمولده.
يا أهل الإسلام، يا أمة النبي صلى الله عليه وسلم، احتفلوا بنبيكم بكل فخر وفرح، ويا أهل الفتن لا تمنعوا أحداً من الاحتفال واتركوا الناس تفعل ما تمليه قلوبها.

اقرأ أيضا