الاتحاد

تقارير

كوسوفو وصربيا··· انتصار القوة الناعمة

الاتحاد الأوروبي يحاول  تخفيف التوتر بين الصرب وكوسوفو

الاتحاد الأوروبي يحاول تخفيف التوتر بين الصرب وكوسوفو

أثبتت القوة الناعمة قدرتها على إحراز النجاح، تماماً مثلما فعلت الانتخابات، فقد تأكد أن بوسع كلتيهما إطفاء نيران العنف والكراهية المشتعلة عبر الحقب والسنين· تلك هي أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من هذا الجزء المنسي من العالم: صربيا وكوسوفو· وفي هذه الحالة، فقد تمثلت فعالية القوة الناعمة وجاذبيتها في الإغراء بالانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي· وبفضل هذا الإغراء أبدت المزيد من دول المنطقة رغبتها في الالتحاق بالاتحاد، أملاً في الاستقرار والسلام والازدهار الاقتصادي، حتى وإن كلفها الأمر إجراء إصلاحات ديمقراطية مؤلمة ووضع حد لخصوماتها مع جيرانها· وبالنسبة لصربيا، فقد أجريت أهم انتخابات تشهدها في شهر مايو الماضي، حيث تمكنت الأغلبية الصربية الراغبة في انضمام بلادها للاتحاد الأوروبي، للمرة الأولى بعد انتظار دام لخمس سنوات، من إحراز نصر انتخابي على الأقلية الراديكالية الوطنية المتطرفة الرافضة لفكرة الانضمام، مدفوعة بغضبها من الإعلان عن استقلال كوسوفو الذي تسكنه أغلبية تصل نسبتها إلى 90 في المئة من الألبان·
وكان ذلك الإعلان المشروط لاستقلال الإقليم -تحت إشراف الاتحاد الأوروبي- قد تم قبل وقت قصير جداً من إجراء الانتخابات الصربية· وقد هيمنت على تلك الانتخابات، نذر العنف التي كانت تهدد مسارها، بما فيها التهديد الجدي باغتيال الرئيس الصربي المعتدل بوريس تاديتش، على غرار اغتيال رئيس الوزراء الإصلاحي السابق ''زوران دنديتش'' في عام ·2003 وعقب انتهاء العملية الانتخابية بسلام، تمكن الرئيس ''تاديتش'' من تشكيل حكومة جديدة موالية للاتحاد الأوروبي، تمكنت من إلقاء القبض على ''رادوفان كاراديتش''، مجرم الحرب والقائد السابق لعمليات صرب البوسنة التي أزهقت خلالها أرواح نحو 8 آلاف من مسلمي البوسنة عام ·1995 وقد تمكنت الحكومة الجديدة من إلقاء القبض على هذا المجرم الهارب المطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي لعدة سنوات، خلال أيام فحسب من انتخابها· والمثير للاهتمام أيضاً امتناع المواطنين عن المشاركة بالكثافة الشعبية الهائلة التي توقعها منظمو مظاهرة الاحتجاج على اعتقال ''روادوفان كاراديتش''· فبدلاً من مشاركة نحو 300 ألف من المحتجين -حسب التوقعات- لم يشارك فعلياً في المظاهرات سوى 10 آلاف فحسب من الوطنيين المتشددين· وانتهى الأمر بـ''الحزب الراديكالي'' المتطرف، الذي تمكن من فرض سيطرته على المشهد السياسي في صربيا طوال السنوات الخمس الماضية، إلى انقسام صفوفه إلى فصيلين متناحرين، ما أدى إلى إضعافه وكسر شوكته في نهاية الأمر·
وبالنتيجة، مضت حكومة بلجراد الجديدة -التي لا تزال تصر على عدم شرعية استقلال كوسوفو- خطوة عملية رغم ذلك، نحو نزع السم الذي أحاط بهذا النزاع، بما يشير إلى اكتساب نهج عملها طابعاً براجماتياً عملياً أكثر منه أيديولوجياً· وضمن ذلك التحول أعلنت بلجراد تخليها عن استخدام العنف، مع الانتقال بالنزاع من سخونة العمل السياسي إلى ساحات العدالة الدولية، وذلك برفع استئنافها ضد استقلال كوسوفو إلى محكمة العدل الدولية· وفي الوقت نفسه تولي الحكومة الجديدة أولوية قصوى لاستكمال خطى الإصلاح التي دشنها الرئيس ''داتيش''، في المجالين المؤسسي والقانوني، على أمل تأهيل البلاد لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي·
وعلى امتداد تسعة أشهر من العام الماضي، واصلت بلجراد رفضها نشر الاتحاد الأوروبي بعثته المعنية ببسط سيادة القانون في الجزء الشمالي من إقليم كوسوفو، الذي تسوده الأغلبية الصربية، وتسيطر على أجوائه تهديدات العنف والأعمال الانتقامية التخريبية من قبل العناصر الوطنية الراديكالية الصربية· ولا يعني ذلك الرفض الصريح شيئاً آخر سوى تمكين العناصر المتطرفة الرافضة لانفصال كوسوفو، من تهديد المراقبين الأوروبيين وشرطة كوسوفو وقضاته ومدعيه، إلى جانب تهديدهم لقادة الشرطة الأوروبيين وقوة حفظ السلام الدولية المنتشرة في الإقليم المستقل· لكن وعلى إثر مفاوضات دبلوماسية توسطت فيها الأمم المتحدة، وافقت حكومة بلجراد الجديدة في شهر ديسمبر الماضي، على نشر البعثة الأوروبية في الجزء الشمالي من الإقليم، مع وعد ببذل أقصى ما تستطيعه من مساع لتوفير بيئة صديقة وليست عدوانية للبعثة هناك· وقد تصادفت تلك الموافقة مع تعزيز التعاون التكتيكي بين بلجراد والاتحاد الأوروبي· وفيما لو تكررت أنماط اندلاع أعمال العنف السابقة، فإن من شأن ذلك أن يعصف بجهود السلام الصبورة التي يبذلها كل من المعتدلين الصرب والألبان، نتيجة لأعمال التخريب والعنف التي يشنها كل من المتشددين الصرب والألبان، بالتعاون مع عناصر المافيا الناشطة في تهريب الجزء الأكبر من الهيروين المهرب إلى دول الاتحاد الأوروبي عبر كوسوفو· بل تستطيع العناصر نفسها تنسيق حملة جديدة للعنف والتطهير العرقي، مدفوعة برغبة الانتقام والردع العسكري للخصوم·
غير أن دوامة العنف هذه لم تتجدد، ولم يسمح لبوادرها بالتصعيد هذه المرة· فقد شهدت أواخر شهر ديسمبر وبدايات يناير الجاري بوادر عنف محدودة متفرقة، بما فيها إحراق بعض المتاجر الألبانية ومقتل شاب صربي، وإلقاء قنبلة يدوية على وحدة من قوات المطافئ الصربية·· إلى آخره· غير أن قوات الشرطة وغيرها، تمكنت من إطفاء نيران هذه الأعمال والحيلولة دون تصاعدها، حتى في مدينة ''ميتروفكا'' الأكثر عرضة للاشتعال والمواجهات بين نصفيها المنقسمين دائماً· بل إن من أكثر المظاهر إيجابية هذه المرة، عدم وصف الصحافة المحلية لهذه الأحداث بأنها أعمال تطهير عرقي، والتساؤل بدلاً من ذلك عن أي من عناصر المافيا مسؤولة عن التحريض عليها؟ ففي هدوء الصحافة نفسها ما يدل على تعافي الحياة وهدوئها في كوسوفو·
إليزابيث بوند
كاتبة ألمانية، مؤلفة كتاب نهاية لعبة البلقان

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا