الاتحاد

تقارير

البعد القبلي في الانتخابات العراقية

البعد القبلي في الانتخابات العراقية

البعد القبلي في الانتخابات العراقية

في محافظة الأنبار بغرب العراق، الذي كان يمثل يوماً معقلاً للتمرد ضد الاحتلال الأميركي، والذي تحول الآن إلى ساحة مفتوحة للسياسات الانتخابية، تُعد بعض الأحاديث التي تجري في بيوت الضيافة التابعة لشيوخ القبائل معادلاً للخطب الانتخابية الحماسية·
''إذا ما حدث شيء لمرشح من مرشحينا، فإننا ···''، هكذا هدد ''حامد الحايس'' شيخ القبيلة ورئيس أحد الأحزاب هنا بصوته الجهوري· وسرعان ما رد عليه شيخ آخر من بين الجالسين قائلاً: إنك على حق''·
و''حامد الحايس'' يتمتع بقدر من روح الدعابة الخشنة، يقود حزباً ساعد على جعل انتخابات المحافظات التي ستعقد نهاية هذا الشهر، بمثابة أول اقتراع تنافسي حقيقي في هذه المحافظة السُنية منذ أن أطاحت الولايات المتحدة بصدام حسين عام ·2003
يعد هذا بكافة المقاييس شيئاً جيداً، وإن كان يلزم التنبيه أن ما ستقوله نتائج الانتخابات عن الحملات سيكون أقل كثيراً عما ستقوله عن الجغرافيا السياسية للأنبار، حيث تحظى التقاليد العشائرية باحترام كبير، وتتمتع القبائل التي يخطب الجيش الأميركي ودها بنفوذ هائل·
هناك قول سائر في الأنبار يقول: ''الجميع يدعون أن ليلى تحبهم، في حين أن الحقيقة هي أن ليلى لا تحب أحداً منهم''، المقصـــود بهذا المثل أن ''ليلى''، وهي ترمز للقبائل تتدلل على الساعين إليها ولا تمنح ودها إلا مقابل مبالغ مالية ضخمة، باعتبارها ''الصانع الحقيقي للملوك'' تاريخياً في العراق و''مركز السلــطة الحقيقـــي فيـــه''·
يعلق ''صباح العاني''، الذي يدير مركزاً طبياً في الفلوجة على ذلك بقوله:
''لقد كنا نأمل أن تأتينا الديمقراطية بالتكنوقراط، ولكنها جاءتنا بشيوخ القبائل كما ترون''·
في محافظات أخرى مثل النجف وكربلاء، التي تعج بالمرجعيات الدينية الشيعية، نرى العلماء يتكلمون بلغة مختلفة عن تلك التي يتحدث بها ''حايس''، تقوم على المجردات والتشبيهات، التي قد لا يصل لمعناها سوى القليلين· وعندما يسألهم أحد الرأي في مسألة من المسائل الدينية، لا يخرج ردهم عن كلمتين: يجوز أو لا يجوز·
هذا التحفظ في الكــلام والحديث يوصــف في غرب العراق بأنه سلوك لا يليق بالرجال الذين يجب أن يتباهوا بشجاعتهم، ولا يخفون من التعبير عما يجيش في صدورهم·
يعبر عن ذلك ''رعد صباح العلواني''، وهو شيخ آخر من شيوخ المنطقــــة وقد رفع صورة لعدد من الجثث الغارقة في الدمـــاء قائلاً: هذا مصير كل شخص يجرؤ على مهاجمة ديارنا''·
وهو لا يخفي استياءه من بعض حلفائه السابقين في ''مجالــــس الصحـــوة'' التي ساعدت على القضاء على نفوذ ''القاعدة'' في المناطق السُنية بمساعــدة القوات الأميركية· يمضي ''رعد'' في انتقاد كافة الأحزاب الناشطة في المنطقــــة مستثنياً شيوخ القبائل فقط الذي يقول إنهم الشرفاء الحقيقيون، وإنهم يمتلكون نفوذاً لا يبارى على عشائرهم، ويديرون شبكــة الولاءات والرعاية في العشائر التابعة لمحافظاتهم بحكمة واقتدار· وعلى الرغم من الكراهية التي يبديها رعد وغيره من الشيوخ للحزب الإسلامي، فإن هذا الحزب لا يزال يتمتع بقدر من النفوذ لا يُستهان به، وهو نفوذ مستمد من أنه لا يزال ممثلاً في الحكومة الحالية، ويحظى بدعم مالي حكومي، ولديه القدرة والوسائل على تعيين أنصاره في قوات الجيش والشرطة·
ولكن المراقبين يقولون إن القبائل، على الرغم من التنافس والحزازات القائمة بينها، هي التي ستلعب الدور الحاسم في الانتخابات· لايُستثنى من ذلك سوى الحزب الذي يقوده ''صالح المطلك''، وهـــو برلماني سُني يستمــــد ما يتمتع به من دعم مـــن تعاطفــــه -الذي لا يزال حتى هذه اللحظة قوياً- مع حزب ''البعث العراقي''، الذي كان يقوده صدام حسين·
ويُشــــار إلى أن حـــزب ''حايس'' المسمــــى'' بـ''قائمة قبائل العراق''، قد قدم مرشحين مــــن 11 عشيرة تابعة له أقواهم على الإطلاق عشيرة ''البو فهد''· أما الحزب ''الإسلامي''، فقد رهن مستقبله بمجموعة من التحالفات القوية مع القبائل· وهناك حزب آخر يضم بقايا مجالس الصحوة بقيادة ''أحمد أبو ريشه''، الذي قاد شقيقه عبد الستار أبو ريشه ''مجالس الصحوة''، قبل أن يتم اغتياله في سبتمبر من عام ·2007 وهناك قائمة إنتخابية أخرى تستمد قوتها من الدعم الذي يقدمه لها الشيخ ''عمر عبدالجبار''، الذي يعتبر في نظر الكثيرين واحداً من أبرز شيوخ الأنبار·
وفي أرض يسود فيها التباهي بالسلطة والنفوذ والمال والعشيرة، يعتبر رجل مثل ''علي رحال'' شخصاً متواضعاً· وفي حملة انتخابية يتكلم فيها المال بأعلى صوته مثل الحملة الحالية يعتبر رجل مثل ''رحال'' شخصاً مفلساً حيث لم يجد أمامه من مفر سوى بيع مجوهرات زوجته، كي يدفع تكلفة ملصقات حملته الانتخابية·
و''رحال'' هو زعيم'' حركة أبناء النهرين''، وهي عبارة عن مجموعة من الليبراليين العلمانيين، الذين يخوضـــون الانتخابات تحت شعار ''معاً من أجل التنمية''· والحركــــة لا تقتصر على السُنة حيث تضم شيعة، وأكراداً، وعدداً محدوداً من المسيحيين، ويركز برنامجها الانتخابي على الدفاع عن حقوق الإنسان والدعوة إلى الشفافية، والمطالبة بوضع حد للفساد، وإعادة تأهيل العراق مجدداً·
يقول ''رحال'' في معرض تعبيره عن برنامج حزبه ''نحن نعتبر ما ننادي به هو الديمقراطية الحقيقية··· ولكــــن المشكلـــــة أن لا أحد يسمعنا، أو أنهم لا يستطيعون أن يسمعونا، وأن الحركة ليس لديها من الوسائل ما يمكنها من إيصال صوتها''·
ويتحدث ''رحال'' عن الفساد في الأنبار، ويقول إن أميركا أغدقت العطايا على رجال القبائل حتى تضمن ولاءهم، وهو ما تركهم معزولين ومن دون عون حقيقي·
بعد إجراء ذلك اللقاء بعــــدة أيــــام، طرد مالك العقار ''رحال'' ومجموعته من المكتب الذي كانوا يستأجرونـــــه كمقر لحزبهم بسبــــب عجزهم عن دفع إيجاره الشهري الذي لا يتجاوز 600 دولار·

أنطوني شديد- الرمادي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا