الاتحاد

دنيا

رحلات في الفصاحة

من عجائب ما قابل الأصمعي وهو يبحث عن اللغة بين البدو والأعراب ما روى عن نفسه،
فقال: بينما أنا أسير في طريق اليمن إذا أنا بغلام واقف في الطريق يناجي ربه بأبيات من الشعر وهي:
يا فاطِرَ الْخَلقِ البدِيــــــــعِ وَكَافِلاً رِزقَ الجميعِ سِحَابُ جُودِكَ هاطلُ
يَا مُسْبِغَ الْبَر الْجَزِيلِ وَمُسْبِلَ السِّـ ـتْرِ الْجَمِيل عمِيمُ طَوْلِـــــكَ طائــِلُ
يا عَالِمَ السـِّرِّ الْخَفِيّ وَمُنْجــــِزَ الْـ الْوَفِيِّ قَضَاءُ حُكْــــــمِكَ عــــــَادِلُ
عظُمَتْ صفاتُكَ يا عَظيمُ فجَلَّ إِنّ يُحْصِــــي الثَّنَاءَ عَلَيْكَ فِيهَا قَائِلُ
الذّنْبُ أنْتَ له بِمَنــــّكَ غافِــــــرٌ وَلِتَوْبــَةِ الْعَاصِي بِحِلْـــــمِكَ قابـِلُ
رَبٌّ يــــُرَبِي الْعَالَمِيـــــنَ بِبــــــِرّهِ وَنَوَالُهُ أبـــــــدا إلَيْـــِمْ وَاصـــــلُ
تَعْصِيهِ وَهُوَ يَسُوقُ نَحْوَكَ دَائِمــــا ما لا تَكُونُ لِبَعْضِهِ تَسْتَاهــــــــِلُ
متَفَضِّلٌ أَبَـــــدًا وَأَنْتَ لِجــــــودِهِ بِقَبَائِـــح الْعِصْيــــَانِ مِنْكَ تُقَابِلُ
قد أثَقَلَتْ ظَهْرِي الذُّنُوبُ وَسَوَّدَتْ صُحُفِي الْعيوُبُ وَسِتْرُ غَفوِكَ شامِلُ
ها قد أتَيْتَ وَحُسْنُ ظَنِّي شَــافِعِي ووسَائِلِي نَــدَمٌ وَدَمَــــــــعٌ سَائِـلُ
فاغْفِرْ لِعَبْدكَ مَا مَضَى وَارْزُقْــهُ تَوْ فِيقـــا لِمَا تَرْضَى فَفَضْلُكَ كَامْــلُ
وافْعَلْ به مَا أنْتَ أهْلُ جَمِيلــــــِهِ والظَّــنُّ كُلَّ الظَّنّ أنَّكَ فَاعِــــــلُ
قال: فدنوت منه وسلمت عليه فقال: ما أنا براد عليك حتى تؤدي من حقي الذي يجب عليك. قلت: وما حقك؟ قال: أنا غلام على دين إبراهيم الخليل عليه السلام لا أتغدى كل يوم ولا أتعشى حتى أسير الميل والميلين في طلب الضيف. فأجبته فرحب بي وسرت معه حتى وافينا الخيمة فصاح: يا أختاه فأجابته جارية من الخيمة: يا لبيكاه! فقال: قومي إلى ضيفنا فقالت الجارية: حتى أبدأ بشكر المولى الذي ساقه إلينا. فصليت ركعتين لله تعالى. قال: فأدخلني الشاب الخيمة وأجلسني وأخذ شفرة فقام إلى عناق فذبحها. قال: فلما جلست في الخيمة نظرت إلى الجارية فإذا هي أحسن الناس وجهاً. فكنت أسارقها النظر ثم فطنت لي فقالت لي: مم! أنا علمت أنه نقل عن صاحب طيبة عليه الصلاة والسلام إنّه قال: زنى العينين النظر. أما إني ما أردت بهذا إنَّ أوبخك ولكني أردت أن أؤدبك لئلا تعود إلى مثل هذا. فلما كان النوم بتّ أنا والغلام خارج الخيمة وباتت الجارية داخلها. فكنت أسمع دوي القرآن إلى السحر بأحسن صوت وأرقّه. ثم سمعت أبياتاً من الشعر بأعذب لفظ وأشجى نغمة وهي:
أبَى الحبُّ أَنْ يَخْفى وَكَمْ قَدْ كَتَمْتُه فأصْبَــــــحَ عِنْدِي قَدْ أناخَ وَطَنّبا
إِذَا اشْتَدَّ شَوْقِي هَامَ قَلْبِي بِذِكـْـرِهِ وإْن رُمْتُ قُرْبًا مِنْ حبِيبـــــي تَقَرَّبَا
وَيَبــــْدُو فَأَفْنى ثُمَّ أُحْيَــــــا بِهِ لَهُ وَيُسْعِـــــــــدُنِي حَتَّى لَذُّ وَأطْرَبَــــا
فلما أصبحت قلت للغلام: صوت من سمعت؟! قال صوت أختي تقوم الليل تناجي ربها، فإذا استروحت أنشدت هذه الأبيات، وذلك دأبها كل ليلة. فقلت: أنت أحق بهذا منها إذ أنت رجل وهي امرأة! فتبسم ثم قال: أما علمت أنّه موفق ومخذول ومقرب ومبعد؟! فودعتهما وانصرفت.



إسماعيل ديب

اقرأ أيضا