الاتحاد

تقارير

«انسَحِبْ من الحزب»... ضد «الشيوعي الصيني»!

لم تكن الصورة الرئيسية التي نُشرت على صدر جريدة "جينزهو" في 27 من سبتمبر الماضي غريبة عن الحدث الكبير الذي كانت الصين تستعد له، متمثلا في مرور ستين سنة على حكم الحزب الشيوعي، فقد أظهرت الصورة أحد الشوارع تحفه الأعلام الحمراء العملاقة وهي ترفرف عالياً.
ولم يكن ذلك العدد ليختلف عن أي صحيفة رسمية أخرى في الصين عدا جزئية واحدة صغيرة لكنها مهمة؛ ففي زاوية صغيرة بأسفل الصورة ظهر موقف للدراجات كتبت بجانبه عبارة صغيرة يبدو أن محرر الصورة لم ينتبه إليها، تقول: "السماء تلعن الحزب الشيوعي، نددوا به وستحل عليكم البركة".
والحقيقة أن كتابات مشابهة تتحدى النظام الشيوعي تظهر على نحو منتظم في جميع أنحاء الصين، سواء في شكل شعارات تعلق في الحدائق العامة، أو كتابات تنشر في المنتديات على شبكة الإنترنت، أو خربشات تكتب على الأوراق المالية، لكنها جميعاً تدل على اكتساح الحركة التي ظلت حتى اليوم صامتة ومختفية لقطاعات واسعة من المجتمع الصيني.وبإطلاق اسم "انسحب من الحزب" على نفسها، تكون الحركة قد حددت هدفها المتمثل في تشجيع الناس على التخلي علانية عن الحزب الشيوعي والمنظمات التابعة له. وتعد هذه المرة الأولى منذ الثمانينيات التي تشهد فيها الصين حركة معارضة واسعة، وإن كانت ما تزال تعمل سراً.
وفي اليوم التالي على نشر الصورة، خضعت صحيفة "جينزهو" للتحقيق من قبل الحكومة، وتم إغلاق موقعها الإلكتروني، كما سحب عددها ذلك من التداول. غير أن الحادثة التي أقفلت الجريدة تعطي صورة دالة عن الواقع الحالي للحزب الشيوعي الذي، رغم السلطة والقوة، لم يستطع استئصال مشاعر الاستياء والتذمر وانتزاع الأسئلة وعلامات الاستفهام. فعلى مدى الستين عاماً الماضية من الحكم الشيوعي، عانت الصين من اضطربات سياسية واجتماعية خلفت جراحاً نفسية عميقة.
وفي ظل المناخ الشمولي السائد في البلاد، تنعدم فرص التعبير الحر والمناقشة العامة لتاريخ البلاد، كما تغيب فرص التصالح الفردي مع دور المواطن في توجيه دفة الصين، وبما أن البلاد لم تعش تجربتها الخاصة مع المصالحة وجلاء حقيقة الحزب الشيوعي وكشف الغطاء عن ممارساته السابقة، يبتكر المواطنون طرقهم الخاصة للتعبير عن مشاعرهم وإطلاق العنان لما تمور به أنفسهم، وهو ما يفسر الجاذبية الكبيرة التي تمارسها حركة "انسحب من الحزب"، والتي يقول منظموها إنها استطاعت استقطاب أكثر من ستين مليون مواطن.
وكانت البداية في أواخر عام 2004 عندما نشرت صحيفة صينية معارضة مستقرة في نيويورك سلسلة من الافتتاحيات المثيرة للجدل حول تاريخ الحزب الشيوعي الصيني، مؤكدة أن الصين لن تنعم بالحرية والازدهار ما لم تتخلص من الحزب الذي تقول إنه يتعارض مع القيم الثقافية والروحية للصين. وقد وجدت الملايين من نسخ تلك المقالات طريقها إلى الصين، من خلال البريد الإلكتروني والفاكس ودور الطباعة السرية، حيث تفاعل العديد من الصينيين مع ما جاء في المقالات واعتبروا أنها تؤكد فقط ما كانوا يشعرون به طيلة الفترة السابقة، سواء تعلق الأمر بـ "القفزة الكبرى إلى الأمام"، أو بمذبحة ميدان تيانامين، أو بالثورة الثقافية.
ورغم ذلك فهذه ليست حركة سياسية بالمعنى التقليدي للكلمة، إذ خلافاً للحركة الطلابية في عام 1989، أو الميثاق الأخير لعام 2008، واللذين تبنيا معاً الخطاب الغربي حول الديمقراطية، فإن الحركة الحالية توظف خطاباً صينياً مميزاً ينهل من التقاليد الكونفوشيوسية التقليدية والقيم البوذية للتأكيد على مواقفها.
وبهذا المعنى لم يعد التبرؤ من الحزب الشيوعي مجرد نشاط سياسي يهدف إلى تكريس فكرة الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، بل يكتسي طابعاً روحياً باعتباره عملية لغسل الضمير وربط الاتصال بالقيم التقلدية.
وفي ديسمبر 2004، وبعد شهر على نشر المقالات من قبل الصحيفة المعارضة، بدأ محرروها يتلقون رسائل من قراء يعلنون فيها رغبتهم في التخلي عن الحزب الشيوعي، أو المنظمات التابعة له، مثل "عصبة الشباب الشيوعي" و"الرواد الشباب"، واليوم وصل عدد تلك الرسائل إلى ستين مليون رسالة تقوم الصحيفة بإدخالها في قاعدة بيانات ونشرها على موقعها الإلكتروني.
لكن الشيء الأساسي ليس عدد الأشخاص الذين أعلنوا رغبتهم في ترك الحزب الشيوعي، بل الفرصة التي تمثلها الحركة للتعبير عن مشاعرهم المقموعة ومناقشة الأفكار التي تصعب إثارتها في الأماكن والمنتديات العامة.
ويلجأ العديد من المتعاطفين مع حركة "انسحب من الحزب" إلى سرد معاناتهم الشخصية مع الحزب الشيوعي؛ مثل "دينج ويكون" (74 عاماً) والذي قضى عمره منخرطاً في الحزب، لكنه اكتشف في عام 2003 تواطؤ بعض أعضاء الحزب في المحافظة الريفية التي يقطنها مع مطورين عقاريين للاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي، وعندما احتج مع مجموعة من المزارعين على هذه الممارسة أرسل الحزب قوات لقمع المحتجين لينتهي به الأمر في السجن بعد خدمته الحزب لأكثر من أربعين عاماً.


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان سيانس مونيتور»

اقرأ أيضا