الاتحاد

تقارير

في أوروبا... الماضي يُصادر المستقبل

ما أكثر ما تعثرت خطوات أوروبا في اتجاه مستقبل أكثر وحدة، حتى لو بدا الآن أن هذا المستقبل بات أخيراً في المتناول. ولعل آخر العثرات كانت عودة الذكريات حول فصل منسي من ماضي القارة الدموي: طرد الألمان من تشيكوسلوفاكيا بعد الحرب العالمية الثانية. وتمثل هذه العودة غير المتوقعة تذكيراً قوياً بأن الدول التي أنشأت الاتحاد الأوروبي لا تبعد سوى بجيل واحد عن فظاعات الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة التي تمت التضحية أثناءها بأرواح ملايين الأشخاص لأغراض إيديولوجية أو قومية ضيقة.
ولاشك أن الرجل المسؤول أكثر من غيره عن إنعاش ذكريات تلك الأيام العاصفة هو رئيس جمهورية التشيك الحالية، فاكلاف كلاوس، الذي اشتهر بتشكيكه في الاتحاد الأوروبي واعتراضه على منحه سلطات أكبر. فعلى رغم أن البرلمان التشيكي صوت لصالح اتفاقية لشبونة، إلا أن كلاوس رفض التصديق عليها، وهي معاهدة تقضي بمنح زعامة الاتحاد الأوروبي في بروكسيل سلطات أكبر، واستحداث منصب رئيس أوروبي لأول مرة. فقبل التوقيع، يريد كلاوس إضافة إشارة خاصة إلى ميثاق الحقوق الأساسية في اتفاقية لشبونة، وهي إشارة يقول مسؤولون إن من شأنها إعفاء جمهورية التشيك من دفع تعويضات أو إعادة أراض إلى ما يقدر بـ2.5 مليون ألماني تم طردهم من مناطق "سوديتن" بموجب "مراسيم بينيس" لعام 1945، والتي سميت باسم الرئيس التشيكي حينئذ. وكانت عمليات الطرد تلك من بين عدد من عمليات التطهير العرقي التي عرفتها أوروبا الوسطى بعد الحرب العالمية الثانية من أجل إزالة آثار ما حدث حين احتلال أو ضم تلك المناطق من قبل الرايخ الألماني الثالث في عهد هتلر -والثأر لها. وعلى رغم أن الموضوع بات في ذمة التاريخ عموماً، إلا أنه ما زال قادراً على إثارة القلق في المناطق الحدودية الغربية لجمهورية التشيك حيث وقعت جل عمليات الطرد.
وفي هذا الإطار، يقول أولدريك سيرني، الذي كان مستشاراً للأمن القومي في عهد الرئيس التشيكي فاكلاف هافل ويرأس حالياً معهد براغ للدراسات الأمنية: "إن هذا الأمر قد يجد له صدى في سوديتنلاند حيث الموضوع ينطوي على حساسية كبيرة لأسباب بديهية". غير أن معظم الخبراء القانونيين، يقول سيرني، يرون أنه حتى بدون هذه الإضافة، فإن ميثاق الحقوق الأساسية لن يعرّض وضع المالكين في "سوديتن" للخطر بعد كل هذه السنوات. فالألمان الذين طُردوا لم يقدموا طعوناً قانونية، والمسؤولون الألمان يقولون إن حكومتهم ليست مهتمة بالمطالبة بأي شيء. ولكن كلاوس اغتنم الموضوع كمحاولة "أخيرة" من أجل تأخير التصديق على الوثيقة، التي يعارضها في الواقع، كما يقول سيرني.
ومن جانبه، يرى توماس فلاسيك، مدير قسم السياسة الخارجية والدفاع في مركز الإصلاح الأوروبي في لندن، أن كلاوس ربما يدرك أنه لا يستطيع الصمود طويلا؛ ولذلك، فإنه يشدد على تعديل الاتفاقية كطريقة لحفظ ماء الوجه حين يستسلم أخيراً، مضيفاً "إنها في الأساس طريقة بالنسبة له كي يوقع اتفاقية لشبونة ويزعم الانتصار في الوقت نفسه".
وفي ذات السياق، قال كلاوس في مقابلة صحفية الأسبوع الماضي إنه حين تتم حماية مالكي الأراضي في "سوديتن"، فإنه يمكن أن يوقع الاتفاقية على رغم تحفظاته: "ما دام القطار يمضي بسرعة كبيرة، وقد قطع مسافة طويلة إلى درجة أنني أعتقد أنه بات من المستحيل إيقافه، مهما كانت رغبتنا".
غير أن مما زاد الوضع تعقيداً أن رئيس وزراء سلوفاكيا روبرت فيكو أعلن يوم الأحد أنه أيضاً يرغب في إضافة إشارة قانونية إلى ميثاق الحقوق الأساسية لحماية سلوفاكيا من أي مشاكل بخصوص طرد الألمان. والجدير ذكره هنا أن سلوفاكيا، التي كانت جزءاً من تشيكوسلوفاكيا في ذاك الوقت، شملتها هي أيضاً "مراسيم بينيس"، على رغم أن عدداً أصغر بكثير من الألمان طُردوا من أراضيها.
ومن منظور أضيق، قد يكون دافع "فيكو" هو ضغوط الانتخابات العام المقبل، حيث يحاول أن يقدم نفسه بصورة المدافع عن المصالح القومية لزيادة شعبيته. غير أن الخطوة تعكس أيضاً قلقاً حقيقيا لأنه إذا كانت المشكلة من الخطورة بحيث دفعت جمهورية التشيك إلى القلق بشأنها، يضيف فلاسيك، فإن على سلوفاكيا في هذه الحالة أن تتأكد من أن مصالح أصحاب الأراضي في حدودها محمية أيضاً.
والواقع أن اتفاقية لشبونة، وهي نسخة ملطَّفة لمحاولات توحيد سابقة، طالما أرجئت بسبب التردد والخوف على السيادة الوطنية في بلدان متعددة؛ غير أن كل هذه الأسباب تم التغلب عليها منذ ذلك الوقت، في الغالب، عبر تقليص طموحات المعاهدة. ومنذ أن وافقت إيرلندا على الاتفاقية في استفتاء مؤخراً، باتت جمهورية التشيك هي البلد الوحيد الذي لم يصدق عليها من بين البلدان الـ27 التي تشكل الاتحاد الأوروبي.
غير أن موقف كلاوس أثار حفيظة الزعماء الأوروبيين، الذين اعتقدوا بعد التصويت الإيرلندي أنهم باتوا أخيراً على الطريق -بل وبدأوا في الحديث عمن سيصبح أول رئيس للاتحاد الأوروبي، وأي البلدان ستحصل على عدد من المناصب في جهاز دبلوماسية أوروبي مطوَّر. وفي هذا الإطار، وصف الرئيس الفرنسي، الذي يعد من أشد المناصرين للوحدة الأوروبية، رفض كلاوس التوقيع بأنه "غير مقبول"، وحذر من أنه ستكون ثمة "عواقب" بالنسبة لجمهورية التشيك إذا ما استمر في الممانعة. كما أزعج مطلب سلوفاكيا المسؤولين الأوروبيين أيضاً، وخاصة أنها صدقت على الاتفاقية بشكل كامل، حيث لجأ وزير الخارجية السويدي كارل بيلدت، الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، إلى السخرية من تصريح فيكو إذ قال: "كان لديَّ الانطباع بأن سلوفاكيا قد فرغت من عملية التصديق منذ زمن بعيد".


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست»

اقرأ أيضا