الاتحاد

دنيا

«السدو».. حجر الزاوية في الحياة البدوية

صناعة السدو وسيلة استدعتها الضرورة

صناعة السدو وسيلة استدعتها الضرورة

منذ زمن قريب، وقبل أن تأسر الحضارة البدوي وتجبره على الاستقرار، أي عندما كان البدو يتنقلون بمساكنهم المحملة على ظهور الرواحل من مكان إلى مكان، كانوا يعتمدون بشكل أساسي على إنتاجهم اليدوي في صنع مسكنهم وملبسهم ومستلزمات حياتهم المختلفة، وكانوا أيضاً حريصين على أن تكون مصنوعاتهم اليدوية متوافقة ومتلائمة مع طبيعة حياتهم المتنقلة، وهذا إن دلَّ على شيء فإنَّه يدلُّ على ذكاء البدوي حين صنع لنفسه بيتاً قابلا للتنقل من خلال تفكيكه وإعادة تركيبه، وأيضاً إعادة تجديده سنويا! ليس هذا فقط، فبيت البدوي قادر على تحمل ظروف المناخ المتغيرة كحرارة الصيف وبرودة الشتاء، والأمطار والرياح.

السدو
يكمن سر هذه المميزات كلها في عظمة خلق الله، بأن أنعم على البدوي بصوف الغنم الذي تعددت استخداماته، فمن هذا الصوف صنع السدو، وهي قطعة من القماش تتم حياكتها لاستخدامها في أغراض متعددة مثل «الكوت» وهو معطف يقي من البرد، و»البشت» و»الزرابيل»، وتعني الجوارب، و»المساند» و»العدل» التي كانت المرأة تضع فيه ملابسها وأغراضها، و»خرج المطية» الذي يوضع بجانب البعير لوضع الحمولة بداخله عند التنقل، كما وتصنع منه أفرش توضع فوق البعير للزينة، و»الزوالي» وهي أفرش أخرى تصنع لغرض الجلوس عليها، أي أن السدو هو العنصر الأساسي في حياة أهل البادية الذي يتلاءم مع تنقلاتهم ورحلاتهم.

بيوت الشعر
لعل من أهم استخدامات السدو المتعددة هو «بيت الشعر»، الذي يُعدَّ بيت البدوي في حله وترحاله، فتقول أم سيف المنصوري عنه: «صناعة السدو هي حرفة تعلمتها منذ صغري، وهي بالنسبة لنا حياتنا لأننا منها نصنع بيوتنا التي تحمينا من لهيب الشمس في الصيف، كما وتحمينا من برد الشتاء القارص، فعلى خلاف أهل الحضر الذين كانوا يسكنون بيوتا مصنوعة من «الخوص»، كنا نحن نعتمد على «السدو»، استخدمناه في كل شيء، ولم نستغن عنه، فكل احتياجاتنا كنا نصنعها منه ابتداء ببيت الشعر وانتهاء بأبسط الاحتياجات». وتضيف أم سيف عن حرفتها وهوايتها :»يصنع السدو من صوف الغنم، الذي يكون لونه غالباً إما أسود أو أبيض، وقد نقوم بصبغه بألوان مختلفة مثل الأحمر، لتزيين السدو بالألوان، ومن ثم نقوم ببرم الصوف في «المغزل»، وهي عصاة يتم لف الصوف حولها لتسهل عملية الحياكة».
وتشرح أم سيف بكل رحابة صدر طريقة صنع بيت الشعر باستخدام السدو وهو ما تقوم به عادة بمساعدة أخواتها، فتقول: «لا يأتي فصل الشتاء إلا وقد قمت بصنع بيت شعر لنا، فإلى الآن ما زلنا نحبه ونحب أجواءه الدافئة، وأنا أباشر صناعة السدو مفردي من دون مساعدة، ولكن عندما يزيد طول الخيط عن 3 أذرع فإني عندها احتاج لثلاث معاونات، بحيث تمسك اثنتان طرفي الخيط، وتذهب الثالثة وتأتي بالخيط إلى أن يجهز، وأبدأ عندها بالعمل بمفردي، ويستغرق عمل سدو لبيت الشعر من 3 إلى 4 أيام، وبعدها نقوم بتثبيت الأعمدة، وتثبيت السدو حولها باستخدام «الكربال»، وهو عبارة عن حبال مصنوعة من الليف يتم فركه باليد إلى أن يتشكل كخيط كان يثبت به السدو سابقاً، أما الآن فتمت الاستعاضة عنه بحبال النايلون».
المروبع
من جهتها تقول نورة سعيد: «يراودني دائماً حلمٌ أني وبناتي «نحيب» بيت شعر كبير «مروبع»، ويهب ريح الشمال، فأصرخ عليهن أسرعن هب الشمال، ونحن لم ننه البيت». حلم نورة هذا يعود لتعلقها وتعلق البدو ببيت الشعر مقارنة بالخيم، لكونه أكثر دفئاً ومقاومة للأمطار والرياح، كما يسمح بتهوية المكان، وخروج دخان الموقد أثناء الطبخ وعند تدفئة البيت، فيلجأون إلى إضرام النار بداخل بيت الشعر بعد إغلاق كل المنافذ لمنع دخول الهواء البارد، في حين يتعذر هذا في الخيمة، مما يوفر أجواء حميمة تجمع بين أفراد العائلة، وكانت النساء في الماضي يصنعن من السدو العديد من بيوت الشعر في العام الواحد، وعادة ما تتعاون مجموعة من نساء العائلة في صنع بيت شعر كبير مقسم إلى أربعة أقسام يسمى «مروبع»، بحيث يحوي المروبع على مكان للطبخ، وآخر للنوم، ومقلطا للنساء، ومقلطا آخر لرجال، ويسمى كل قسم «ربعة» ويفصل بينها «رواق» في حين يطلق على جدران البيت «حياب»، وعادة ما كان يطلق على مجلس النساء «شق النسوان»، في حين كان يطلق على مجلس الرجال «ربعة الرجال».

اقرأ أيضا