الاتحاد

الاقتصادي

مبادرات دبي والمستجدات الدولية

محمد العسومي (من المصدر)

محمد العسومي (من المصدر)

د. محمد العسومي

? عندما كنا ضمن فريق كرة القدم لأحد الفرق المعروفة كان من بيننا لاعب مميز، وفي يوم من الأيام جمعنا مدربنا الحكيم وقال: هل تعلمون ما يميزه عنكم؟ وشرح الأمر قائلا: إنه دائم الإبداع والمبادرة والسعي الحثيث للوصول إلى الهدف، وهو ما يجعله مميزاً وموفقاً في جهوده التي لا تتوقف.
تذكرت هذه الحادثة بسرعة وأنا أستعرض تفاصيل المبادرة الجديدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بالعمل على تحويل الإمارة إلى مركز عالمي للأعمال الاقتصادية الإسلامية، وذلك من خلال تطوير هذا القطاع ليشكل أحد القطاعات الأساسية المكونة لاقتصاد إمارة دبي.
ترافق ذلك مع اتخاذ خطوة عملية فورية من خلال تكليف سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي، بالإشراف على هذا التوجه ومتابعة أعمال اللجنة العليا لشؤون الاقتصاد الإسلامي والعمل على جعل دبي عاصمة عالمية للتعاملات المالية الإسلامية، مما يعني المباشرة الفورية بتحقيق رؤية سموه، حيث تم تعيين أعضاء اللجنة العليا التي ستأخذ على عاتقها عملية التنفيذ، مع الاستعانة بمهنيين وفق متطلبات العمل.
ولكن لماذا الآن؟ ولماذا دبي؟ هذان سؤالان يمكن من خلال الإجابة عليهما فهم مغزى الرؤية الجديدة التي يتطلع لها صاحب المبادرة، فسرعة التحولات الاقتصادية العالمية تتطلب سرعة مماثلة من قبل بلدان العالم لتتمكن اقتصادياتها من توفير البنية التحتية والبيئة الاستثمارية التي تستجيب لهذه التغيرات السريعة وتلبي متطلباتها، لتقف في مقدمة الصفوف ضمن الاصطفاف الجديد في العلاقات الاقتصادية الدولية.
لماذا الآن؟ لأسباب عديدة تتعلق بالانتشار السريع للنظام المصرفي والمالي الإسلامي، وبالأخص بعد الأزمة المالية العالمية، والتي اعتبر فيها هذا النظام الأقل تضررا بسبب طبيعته المحافظة وتجنبه المضاربات وتعظيم الأصول والتلاعب بالمشتقات المالية، مما أتاح تقبل العديد من بلدان العالم لهذا النوع من التعاملات، حيث وافقت الصين مؤخرا على إعطاء أول تصريح لتأسيس بنك إسلامي، مع كل ما يمثله الاقتصاد الصيني من أهمية، باعتباره ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وقبل ذلك تم تأسيس أول مصرف إسلامي في بريطانيا، والذي لاقى إقبالا كبيرا، كما أن العديد من الدول الأوروبية والأميركية، بما فيها فرنسا والولايات المتحدة وبعض البلدان الناشئة، تنوي ولوج عالم الصيرفة الإسلامية، خصوصا أن البلدان العربية، وبالأخص الخليجية تتمتع بفوائض مالية كبيرة وتحبذ التعامل بنظام التمويل الإسلامي.
أما في البلدان المنضوية تحت البنك الإسلامي للتنمية، فقد انتشرت التعاملات الإسلامية، بل إنها أصبحت تشكل جزءا أساسيا من إجمالي التعاملات المصرفية، ففي دولة الإمارات استحوذت البنوك الإسلامية في العام الماضي 2012 على 20% من حجم التعاملات المالية، في حين تعتبر ماليزيا رائدة في هذا النوع من التعاملات، وهي تسعى جاهدة إلى تطوير أدوات التمويل الإسلامي القائمة على مبدأ المشاركة في المكاسب والمخاطر في حالتي الربح والخسارة، وهو مكون أساسي لنمط التمويل الإسلامي.
لقد أدى ذلك إلى زيادة عدد البلدان التي تتعامل في نطاق هذا النظام ليصبح 77 دولة حول العالم، وتضم 310 مؤسسات مالية إسلامية، مما أدى إلى ارتفاع حجم قطاع الخدمات المصرفية الإسلامية من تريليون دولار في عام 2011 إلى 1,2 تريليون دولار في عام 2012، في حين ارتفع حجم إصدار الصكوك الإسلامية بنسبة 21,4% في عام 2011 ليصل إلى 1086 مليار دولار، مقابل 895 مليار دولار في عام 2010، ويتوقع أن يواصل نموه في السنوات القادمة بنسب عالية، وبالأخص بعد التطورات الأخيرة في بعض البلدان العربية التي كانت تضع القيود على هذا النوع من التعاملات في السابق، علما بأن النظام المصرفي الإسلامي أصبح ذا قاعدة قوية في العالم، وهو يمثل خيارا مناسبا للكثير من الأفراد والمؤسسات الاستثمارية.
هذا باختصار شديد، أما لماذا دبي والإمارات بشكل عام؟ فإن ذلك يرتبط بقصة نجاح حقيقية، فدبي سريعة المبادرة والتحرك وتملك الرؤية واتخاذ القرار على أعلى المستويات دون إبطاء أو إجراءات بيروقراطية، إذ يصحب ذلك توفير البنى التحتية المتطورة والبيئة الاستثمارية المريحة لقطاع الأعمال والخدمات الراقية، علما بأن أول مصرف إسلامي أقيم في دبي عام 1975، وبذلك فهي رائدة في هذا النشاط وتملك من الخبرة والدراية ما يؤهلها لقيادة جوقة التوجه الجديد سريع النمو والقادر على المنافسة واستقطاب مؤسسات التمويل، بما فيها مؤسسات التمويل الإسلامية.
وبما أن دبي تملك المبادرات والرؤى والبنية التحتية اللوجستية، فإنها تعتبر الأكثر تنافساً وتأهيلا للقيام بتطوير أدوات التعاملات المالية الإسلامية، من هنا يمكن للتوجهات الجديدة التي أعلن عنها أن تشمل، بالإضافة إلى التمويل المصرفي والتأمين وإصدار الصكوك، جذب الصناديق الاستثمارية التي تتعامل بنظام التمويل الإسلامي في التصنيع والتجارة في السلع الأولية والعملات والرهن وبطاقات الائتمان وتفاصيل أخرى كثيرة تتعلق بالمعاملات الإسلامية سريعة النمو.
إذن نحن أمام توجه جديد ومبادرة حديثة تستجيب للتغيرات الدولية السريعة، وتسهم في إضفاء المزيد من التنوع الاقتصادي وتعزز من النموذج التنموي الإماراتي ذي الصبغة العالمية والذي امكن تقديمه للعالم ليشكل تجربة فريدة تعيد تجديد نفسها باستمرار، بما يتناسب والمستجدات الاقتصادية في العالم.

اقرأ أيضا

«الاتحاد للطيران» و«السعودية» تطلقان 12 خطاً جديداً