الاتحاد

دنيا

الشاميون يتضافرون ليغسلوا “التعب” عن بردى

تضمنت حملة “لنغسل التعب عن بردى” حفلات موسيقية غنائية وأمسيات شعرية وعروضاً كشفية وورش رسم شارك فيها الكبار والصغار ذكوراً وإناثاً، وبلغت الحملة أوجها بنزول عشرات من الشباب والشابات والرجال والنساء والأطفال في مجرى نهر بردى عند جسر ساحة باب توما شرق دمشق، حيث قاموا بتنظيف النهر، وجمع النفايات من مجراه، وشوهدت نساء كثيرات وهن يحملن الأكياس السوداء ويجمعن الفضلات والأوساخ من مجرى النهر. كما لوحظ وجود أسر جاءت بكامل أفرادها (الأب والأم والأولاد والبنات) للمشاركة في هذه الحملة تضامناً مع نهر بردى ولرفع التعب عنه، ومحاولة إعادة الروح إليه. الفنان عبدالرحمن أبو القاسم شارك في حملة إنقاذ بردى من التلوث والشح، ويقول: “دمشق هي هبة بردى، كما مصر هي هبة النيل، وهذا النهر التاريخي الذي ارتبط وجود دمشق به يعاني من التعب والإرهاق بسبب شح منبعه، وبسبب التلوث البيئي، حتى كادت مياهه أن تضمحل، وتحل في مجراه النفايات والأوساخ. لذا يجب أن نعمل جميعاً على إنقاذ النهر”.
ويقول فريق “الرواد” منظم الحملة: “نحن أصدقاء للطبيعة، ونعمل لحمايتها من التلوث البصري أو البيئي. وهذه الحملة هي محاولة لتنظيف مجرى نهر بردى ورسالة للجميع كي نحمي النهر من التلوث وكي نعيده لسابق عهده”. ويدعو منظمو الحملة إلى جعل يوم السادس عشر من أكتوبر من كل عام يوماً لنهر بردى الذي يعتبر شريان الحياة الرئيسي لمدينة دمشق. وشارك طلاب كلية الفنون الجميلة في هذه الحملة البيئية، وقام أكثر من ستين منهم برسم لوحات فنية دعماً لأهداف الحملة. ويقول أحد الطلبة المشاركين إنها دعوة لكل الغيورين على بردى ودمشق كي يمدوا أيديهم، ويساهموا في إعادة الحياة للنهر.

حملة رمزية
يقول الفنان فادي عساف الأستاذ المحاضر في كلية الفنون: إن حملة “لنغسل التعب عن بردى” هي حملة رمزية لتسليط الضوء على هذا النهر العزيز الذي تحوّل مع الوقت إلى مكان لرمي النفايات والمخلفات، ويضيف: “إذا كنا لا نستطيع أن نمد النهر بالماء نتيجة الشح فإننا نستطيع أن نجعله نظيفاً. ونستطيع أن نمنع التعديات عليه”. ولوحظت مشاركة كثيفة في الحملة لطلاب كلية الهندسة المعمارية الذين حضروا برفقة عميد الكلية الدكتور مأمون الورع الذي اصطحب معه زوجته وأولاده أيضاً قائلاً: “بردى يعني لنا الكثير، وهو رمز لدمشق التي نعيش فيها، وهو روح المدينة”. ويضيف: “هذه الحملة تنشر ثقافة العمل التطوعي، وتحاول إعادة الحياة إلى نهر بردى الحبيب إلى قلوب كل السوريين”. ويوضح صيدلي شارك في الحملة بصحبة ابنه وابنته: “إذا كنا نريد أن نواجه مخاطر التلوث على النهر والمدينة، فيجب أن ننظر إلى كل تفصيل في حياتنا، وأن نعمل جميعاً على خفض نسبة تلوث الهواء والتراب ومجاري المياه العذبة”.

أزمة شح
إن التلوث البصري والبيئي فاقم أزمة نهر بردى الناجمة أساساً عن شح مياه منبعه وروافده، واستهلاك كميات كبيرة من مياهه ومياه رافده الأساسي (نبع الفيجة) لأغراض الشرب، واقتطاعها من المنبع عبر قنوات خاصة وخارج مجرى النهر. وأثّرت أزمة بردى على الحياة العامة والبيئة، ولاسيما أن بردى قد حول مدينة دمشق إلى واحة خضراء في الماضي ضمن بادية الشام القاحلة، وأحاط المدينة بالغوطتين الشرقية والغربية فضلاً عن حزام أخضر في جنوبها كان يصح تسميته بالغوطة الشرقية. وبحسب مصادر رسمية، فإن الطول الإجمالي لنهر بردى من منبعه في سهل الزبداني وحتى مصبه في بحيرة العتيبة حوالي 72 كم، ويقسم مجراه إلى ثلاثة أقسام حسب طبيعة مساره، ويمتد القسم الأول منه من النبع وحتى بلدة التكية بطول حوالي 8 كم، ويمتد القسم الثاني من التكية وحتى الربوة في مدخل دمشق الغربي بطول 20 كم. أما القسم الثالث فيمتد من الربوة وحتى بحيرة العتيبة بطول يزيد عن 44 كم، ويرفد بردى أثناء مساره عدة ينابيع أهمها نبع (عين الفيجة) الذي يشتهر بأنه من أعذب مياه الشفة في العالم، وقد حولت مياهه بالكامل إلى أغراض الشرب، وحجبت عن مجرى النهر.
يصب نهر بردى في بحيرة العتيبة التي كانت تمتلئ بالمياه على مدار العام حتى عامي 1954 و1955، حيث بدأت البحيرة بالانحسار، وفي عام 1968 لم تصل مياه بردى إلى البحيرة، وكان عاما 1992 و1993 استثنائيين بأمطارهما الغزيرة، حيث وصلت المياه إلى البحيرة، ولكنه منذ عام 1984 وحتى تاريخه لم تصل مياه النهر القديم إليها. ورغم الانحباس الحراري الذي يسود الكرة الأرضية، ورغم شح المياه، وزيادة عدد سكان سوريا المضطرد، فإن السوريين مصممون على إعادة الروح إلى نهرهم العتيق بردى، لأنهم يعتبرونه روح دمشق، وهبة الحياة لبساتينها في الغوطتين، كما أنه يشكل لمسة الجمال والسحر في حياة كل دمشقي.

اقرأ أيضا