الاتحاد

تقارير

بوركينا فاسو.. وتحديات «العهد الجديد»

في نهاية 2015، نصبت بوركينا فاسو رئيسها الجديد «آر. إم كريستيان كابوري»، وأنهت الفترة الانتقالية للديمقراطية، التي بدأت في نوفمبر 2014، عندما أجبرت انتفاضات شعبية الرئيس السابق «بليز كومباوري» على الاستقالة من منصبه. ولدى مواطني تلك الدولة، الواقعة في غرب أفريقيا، توقعات مرتفعة من الحكومة الجديدة التي تواجه تحديات محلية ودولية خطيرة منها:
1- والتحدي الأول هو الأمن الذي يتطلب اهتماماً عاجلاً وخصوصاً بعد هجمات الخامس عشر من يناير الإرهابية. ففي ذلك اليوم هاجم تنظيم «القاعدة» فندق «سبلنديد» و«كافيه كابتشينو» في العاصمة واجادوجو. وتلك الهجمات غير مسبوقة في دمويتها ومداها. وإذا ما أخذنا في اعتبارنا أنه لم تكن هناك هجمات بهذه الخطورة والحجم في عهد الرئيس السابق، فإن هذا يعني أن النظام الجديد سيكون تحت ضغط يفرض عليه إثبات قدرته على ضمان الأمن والنظام، علماً بأن مكافحة الإرهاب ليست سوى تحدٍ واحد فقط، من بين حزمة من التحديات الأمنية تواجهها الحكومة الجديدة، التي يتوقع الكثير من سكان بوركينا فاسو أن تتمكن من إحداث تغيير جوهري في البلاد.
2- إن الانتخابات التي جرت في نوفمبر 2015 لم تؤد لإحداث تغيير جوهري في المشهد السياسي في البلاد. فالرئيس كابوري يدين بفوزه بتلك الانتخابات -جزئياً- لحقيقة أنه كان من أشد خصوم الرئيس السابق «كومباوري»، ولكن ذلك في حد ذاته لا يعني أنه سيكون من السهل عليه القطع مع ممارسات نظام كومباوري شبه السلطوي الذي استمر لمدة 27 عاماً متواصلة.
3- الحكومة الجديدة مثقلة أيضاً بمهمة محاكمة المتورطين في ارتكاب الجرائم التي ارتكبت في عهد «كومباوري»، والتي شملت اغتيال الرئيس توماس سانكارا الذي كان يحكم قبل «كومباوري»، واغتيال الصحفي نوربيرت زونجو. وتتوقع منظمة «هيومان رايتس»، ومنظمات المجتمع المدني، من الحكومة الجديدة الاستمرار في المحاكمات التي بدأتها الحكومة الانتقالية.
4- ورثت حكومة «كابوري» بلداً ترتفع فيه مستويات الفقر، وتزيد فيه نسبة الشباب الغاضب والمحبط ضمن عدد السكان. فقد كشف مسح أجري عام 2009 أن 47 في المئة من سكان بوركينا فاسو يعانون الفقر، وفي عام 2014 صنف مؤشر التنمية الإنسانية بوركينا فاسو في المركز 181 من بين 187 دولة. كما يشار أيضاً إلى أن عجز النظام السابق عن توفير الاحتياجات الأساسية للشعب، كان مصدراً رئيسياً من مصادر السخط ضده وخصوصاً في أوساط الشباب (65 في المئة من سكان بوركينا فاسو تحت سن 30 عاماً) الذين خرجوا إلى الشوارع من دون خوف، في مظاهرات عارمة أجبرت «كومباوري» على الاستقالة.
5- ستتعين على الحكومة الجديدة أيضاً إعادة بناء العلاقات مع الجيران وخصوصاً مع الحلفاء السابقين للرئيس «كومباوري» وخاصة كوت ديفوار (ساحل العاج)، وتوجو. فرئيس توجو «فور ياسينجبي» كان صديقاً مقرباً لـ«كامباوري»، كما منح حق اللجوء لـ«فاتو ديانديري» زوجة الجنرال «جيلبرت دياندري» الذي أحبط محاولة انقلاب سبتمبر 2015. ومذكرة القبض التي صدرت بحق «فاتو دياندري» تعد مصدراً من مصادر التوتر بين البلدين.
كما أن «كومباوري» نفسه، الذي وجد ملاذاً آمناً في كوت ديفوار، يواجه أيضاً مذكرة قبض دولية، كما أن فضيحة تسريب حديث هاتفي شملت وزير خارجية بوركينا فاسو السابق «جبريل باسوليه» ورئيس برلمان كوت ديفوار «جويلوم سورو» تزعم تورط كوت ديفوار في انقلاب سبتمبر. ومذكرة القبض الصادرة بحق «سورو»، أصبحت بدورها مصدراً خطيراً لنزاع مستمر بين البلدين.
وفي مقابل هذه التحديات هنالك أيضاً ثلاثة أسباب تدعو للتفاؤل:
الأول، أن «كابوري» يتمتع بشرعية سياسية سواء في الداخل أو الخارج.. فقد فاز بانتخابات اعتبرت نزيهة من قبل المجتمع الدولي، وحقق ذلك من الجولة الأولى، بحصوله على ما يزيد على 53 في المئة من الأصوات، وبالتالي يرجح أن يتمتع بدعم من المجتمع الدولي سواء في مجال التنمية، أو في مجال التصدي للإرهاب.
والسبب الثاني، أن «كابوري» قد برز من بين زعامات نظام استمر في الحكم لمدة 25 عاما، واشتهر طيلة تلك السنوات بأنه سياسي تصالحي، وبالتالي يرجح أن يستمر على نهجه هذا خلال فترة حكمه.
والثالث، أن برنامج «كابوري» الانتخابي هو نوع من «العهد الجديد» (New Deal) حيث يدور حول خمسة محاور هي: الإصلاحات الدستورية، وإقامة نظام تنموي جديد قائم على تثمين رأس المال البشري، وتشجيع تقنيات المعلومات والاتصالات، وتعزيز القطاع الخاص وريادة الأعمال وتقليص البطالة، وتقليل مظاهر عدم المساواة في المجالين الاجتماعي والاقتصادي.
ولا نستطيع بالطبع الجزم بأن «كابوري» سينجح في تحقيق هذه الأجندة السياسية. مع ذلك، فإن ذات المواطنين الذين أجبروا الرئيس السابق «كومباوري» على الاستقالة، هم على الأرجح الذين سيواصلون الضغط على الحكومة الجديدة، للعمل من أجل إتاحة الفرصة لهم للحصول على احتياجاتهم الحياتية الأساسية، وتحسين الحكومة.

*زميل سابق في برنامج أفريقيا في مركز «وودرو ويلسون» الدولي للباحثين
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا