دينا محمود (لندن)

أكد محللون سياسيون أن التدخلات القطرية التركية في شؤون الدول الأفريقية، وخاصة تلك الواقعة في منطقة القرن الأفريقي، تعود بـ «الخراب» على هذه البلدان، خاصةً وأن الدور المشبوه الذي تلعبه الدوحة وأنقرة في هذه المنطقة يأتي بالتنسيق الكامل مع إيران.
واتهم المحللون - في تقريرٍ تحليليٍ نشره الموقع الإلكتروني لمركز «أوبزرفر ريسيرش فاوندايشن» - قطر وتركيا وإيران بتشكيل محورٍ يعمل على بسط نفوذ الأطراف المُؤلفة له، في دولٍ مثل الصومال والسودان قبل الإطاحة بنظام عمر البشير في الخرطوم، وذلك بهدف الهيمنة على منطقة «القرن الأفريقي»، ذات الأهمية الاستراتيجية، في ضوء أن المياه الدولية الواقعة قبالة سواحلها تشهد مرور كمياتٍ هائلةٍ من النفط الخام، في طريقها من الخليج وصولاً إلى قناة السويس وما ورائها.
وأفاد التقرير - الذي أعده المحلل السياسي المخضرم أبيشيرك ميشرا - أن «نظام الحمدين» عَمِلَ على استغلال نفوذ أنقرة في الصومال في السنوات الماضية، كونها شكلت في بعض الفترات «الشريك الاقتصادي الأبرز» للحكومة الحالية في مقديشو، لتوطيد علاقاته مع هذه الحكومة التي يقودها محمد عبد الله «فرماجو»، ذو العلاقات المريبة بنظاميْ الحكم في قطر وتركيا.
وسمحت هذه الروابط لنظام رجب طيب أردوغان بالسيطرة على عددٍ من المطارات والموانئ في الصومال، فضلاً عن إقامة قاعدةٍ عسكريةٍ على أراضي هذا البلد.
وبجانب ذلك، أبرم النظام التركي اتفاقيةً مع نظام البشير - قبل إسقاطه بنحو عامين - لإعادة إعمار جزيرة سواكن، التي كانت تسيطر عليها الدولة العثمانية في السابق، بحجة أن ذلك سيعزز حركة السياحة، وذلك للتغطية على الهدف الحقيقي من وراء هذه الاتفاقية، وهو السماح بأن يكون لتركيا وجودٌ عسكريٌ في هذه الجزيرة المطلة على البحر الأحمر.
من جهةٍ أخرى، فضح الكاتب المخضرم العلاقات المثيرة للجدل التي أقامها «نظام الحمدين» مع حكومة فرماجو، والتي بدأت مع تمويل الحملة الانتخابية لهذا الرجل، الذي يُوصف على نطاقٍ واسعٍ في مقديشو باسم «دُمية قطر»، لا سيما في ظل هيمنة عملاء الدوحة على المفاصل الرئيسية لنظامه.
وعلى رأس هؤلاء العملاء، فهد ياسين المراسل السابق لقناة «الجزيرة» القطرية في العاصمة الصومالية، الذي شغل مناصب رفيعةً خلال السنوات القليلة الماضية، بلغت حد توليه رئاسة الديوان الرئاسي، قبل أن ينتقل ليتولى موقعاً بارزاً في قيادة وكالة الاستخبارات الوطنية في الصومال.
وأشار ميشرا إلى أن جهود قطر لبسط نفوذها في هذا البلد الممزق بالحروب، شملت إقامة مشروعاتٍ مختلفة في عاصمته، بجانب تقديم معداتٍ عسكريةٍ لحكومته، كما حدث في مطلع العام الجاري، عندما أُعْلِنَ عن إمداد هذه الحكومة بـ 68 عربة مدرعة، بزعم أن ذلك يستهدف تعزيز قدرة قوات الأمن الصومالية على مواجهة التنظيمات المتشددة، في تغافلٍ واضحٍ عن العلاقات الوثيقة التي تربط الدوحة بأبرز الجماعات المسلحة المتطرفة الناشطة في الصومال، مثل حركتيْ «الشباب المجاهدين» و«الإصلاح الإسلامية»، وجمعية «الاتحاد الإسلامي».
فبحسب محللين غربيين، سبق أن أطلقت الجمعيات القطرية - التي تزعم أنها تعمل في مجال الأنشطة الخيرية - في منتصف العقد الأخير من القرن الماضي، ما سمته وقتذاك «برنامج مساعداتٍ» ركز على دعم مشروعات حركة «الإصلاح الإسلامية»، التي تأسست أواخر سبعينيات القرن العشرين وتمثل الفرع الصومالي من جماعة «الإخوان» الإرهابية.
وفي السنوات التالية لذلك، تلقت جمعية «الاتحاد الإسلامي» الإرهابية أموالاً وأسلحةً ومعداتٍ من جهاتٍ في قطر، وتواصل النظام الحاكم في الدويلة المعزولة بشكلٍ مباشرٍ مع قيادة تنظيم «اتحاد المحاكم الإسلامية» المتشدد، ولعب دوراً في قبول الولايات المتحدة انتخاب قائده شيخ شريف أحمد رئيساً للصومال.
ولم يكتفِ النظام القطري بذلك، بل عَمِلَ على إدماج حركة الشباب الإرهابية في العملية السياسية في هذا البلد المنكوب، رغم معارضة القوى الغربية الكبرى لمثل هذه الخطوة المتهورة، ما أثار قلق وغضب القادة الصوماليين أنفسهم ودعاهم إلى الإعراب عن احتجاجهم على ذلك خلال لقاءاتهم بالمسؤولين الأميركيين. وقال ميشرا إن نطاق التدخلات القطرية - التركية السافرة في الشؤون الصومالية تفاقم، بعدما اتخذت الدول العربية الأربع الداعمة لمكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات ومصر والبحرين) إجراءاتها الصارمة ضد نظام تميم بن حمد في منتصف عام 2017، إذ حاولت الدويلة المعزولة منذ ذلك الحين وعلى نحوٍ مستميت، كسب حلفاء في منطقة شرق أفريقيا ذات الأهمية الاستراتيجية لها، في ضوء أن السواحل التي تطل عليها هذه المنطقة، تمثل أحد المنافذ الملاحية القليلة التي لا تزال مفتوحةً أمام سفن الشحن التابعة لقطر.
وقال إن تلك التدخلات أدت إلى زعزعة الاستقرار بشكلٍ أكبر في منطقة القرن الأفريقي، ويمكن أن تُعرّض حركة الملاحة العالمية في هذه المنطقة الحيوية للخطر، وتدفع الدول الواقعة هناك إلى الانخراط في ألعابٍ سياسيةٍ محفوفةٍ بالمخاطر.
وخلص المحلل السياسي المرموق للإشارة إلى أن الاستثمارات القطرية التركية - المدعومة إيرانياً - التي تتدفق على بعض دول شرق أفريقيا طلباً لدعمها السياسي في المقابل، تشكل «نقمةً ولعنةً» على هذه البلدان، لأنها تُعرّض السلام الهش في بعض بقاع تلك المنطقة لخطر الانهيار، وتقلص من إمكانية نجاح المشروعات الاستثمارية الحقيقية فيها.
وشدد على أن النفوذ الإيراني الذي كان قد تصاعد في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي في السنوات الأولى من القرن الجاري، يتقلص الآن باطراد وعلى نحوٍ متسارع، إلى حد أن دولاً مثل السودان والصومال وجيبوتي قطعت علاقاتها مع إيران قبل ثلاث سنوات.
بجانب ذلك، يُتوقع أن تفشل أي محاولاتٍ إيرانيةٍ مستقبليةٍ لإيجاد موطئ قدمٍ لطهران في تلك المنطقة، بفعل العقوبات الاقتصادية الأميركية المُشددة، التي ستعرقل أي استثماراتٍ مزمعة لـ«نظام الملالي» في القارة السمراء.