الاتحاد

تقارير

روسيا وبريطانيا.. تقرير «أوين»

ليس من المألوف أن يقوم قاض في دولة ما، باتهام رئيس دولة أخرى- ناهيك عن أن يكون رئيساً لقوة عظمى- بالمشاركة في عملية قتل. ولكن هذا بالضبط ما فعله يوم الثلاثاء الماضي «سير روبرت أوين» رئيس فريق التحقيق البريطاني في اغتيال رجل الاستخبارات الروسية السابق «اليكسندر ليتفينينكو».
الكلمات التي كتبها أوين في تقريره استثنائية لدرجة تجعلها جديرة بالاقتباس هنا «إذا ما أخذنا بنظر الاعتـبار كل الأدلة والتحـــليلات المتاحة لي، فإني أجد أن العملية التي قام بها جهاز الأمـــن الفيدرالي الروسي، ربما تكون قد تمت الموافقة عليها من قبل السيد باتروشيف، وأيضاً من قبل الرئيس بوتين». بوتين بالطبع هو الرئيس الروسي، أما باتروشيف فهو رئيس جهاز الأمن الفيدرالي FSB (الاستخبارات الروسية)، نيكولاي باتروشيف، الذي يشغل حالياً منصب سكرتير مجلس الأمن الروسي. وقال القاضي إنه «متأكد» من أن ليتفـينينكو قتل بمادة البلونيوم -210 المشعة، التي وجدت آثارها في جسمه، وأن عملية تسميمه نفذت بوساطة اثنين من زملائه السابقين في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي كان قد قابلهما لاحتساء الشاي في حي «ماي فير» الراقي في لندن.
الزميلان المقصودان الذي يقول القاضي في تقريره، إنه متأكد من ارتكابهما للجريمة هما «أندريه لوجوفوي» و«ديمتري كوفتين». وبعد عملية الاغتيال قام بوتين بتكريم «لوجوفوي» الذي تحول إلى بطل قومي، وأصبح عضواً مهماً في البرلمان الروسي.
كان من المقبول على نطاق واسع أن يُقال، إن الأدلة التي عثر عليها تثبت أن الرجلين كانا يعملان بناء على أوامر من جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، (إف.إس.بي)، أما أن يأتي أحد كي يقول، الآن إن العملية كانت بناء على أوامر من الرئيس بوتين شخصياً، فإن ذلك يمثل قفزة كبيرة. هناك شيئان يمكن قولهما عن ذلك: الأول إن«أوين» ربما يكون راغباً أكثر مما ينبغي في تصديق كل شيء يقال له من قبل دائرة «ليتفينينكو» المشبوهة من الزملاء السابقين في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، ويعتمد على روايات هؤلاء لإثبات دوافع الكرملين لارتكاب جريمة القتل.
يشمل هذا كتاباً عن سلسلة التفجيرات التي حدثت في أماكن متفرقة من روسيا عام 1999، والتي أطلقت شرارة حرب الشيشان الثانية التي ساعدت بوتين على الصعود لسدة الرئاسة.
فليتفينينكو وزملاؤه يرون أن تلك التفجيرات لم تنفذ من قبل الإرهابيين الشيشان كما يعتقد بشكل عام، وإنما من قبل جهاز الأمن الفيدرالي. هناك الكثير مما يبقى من دون إجابة أو شرح بشأن تلك التفجيرات، ولكن ما يمكن أن يقال هو، إن ذلك الاتهام لم يتم إثباته بدرجة تدعو لاستخدامه كدليل في أي محكمة قانونية.
الشيء الثاني الذي يمكن أن يقال هنا، إن معظم الناس خارج روسيا، شأنهم في ذلك شأن القاضي «أوين»، يستنتجون في قرارة أنفسهم أن بوتين ربما يكون قد وافق على اغتيال «ليتفينينكو»، لأن ذلك يتفق مع توقعاتهم بشأن ما تفعله روسيا، ويفعله رئيسها.
رد الفعل الروسي على تقرير «أوين» كان متوقعاً، حيث قللت موسكو من شأن الأدلة وقالت، إنها مدفوعة سياسياً، وحذرت من «تداعياته الخطيرة» على علاقاتها مع المملكة المتحدة.
وعلى الرغم من وزيرة الداخلية البريطانية «تيريسا ماي» قالت أمام البرلمان يوم الخميس، إن روسيا ستواجه رد فعل صارماً، إلا أن الحقيقة هي أن ذلك لن يحدث. فمن المعروف أنها هي التي عارضت أجراء التحقيق بادئ ذي بدء، لأنها كانت تعرف جيداً أنه سيسلط الضوء على عجز بريطانيا على معاقبة روسيا، لارتكابها جريمة قــتل في شوارع لندن.
مع ذلك فإن تلك الحقيقة لا يجب أن تدفع بوتين لأن يزهو بنفسه أكثر مما ينبغي. فقصته خلال السنوات الماضية، كانت قصة انحدار مطرد وحثيث من زعيم كان يقابل بالترحاب، بل بالتكريم في مختلف دول العالم، إلى مجرد رئيس، لا يمد إليه أحد يده بالسلام إلا مرغماً.
فالاعتقاد السائد، أن بوتين هو الرجل الذي يصدر أوامر الاغتيالات في الدول التي يفترض أنها صديقة، كما يرسل قواته لغزو جيران يفترض أنهم أشقاؤه، ثم لا يتورع عن أن ينكر كل شيء عندما تقوم تلك القوات بإسقاط طائرة ركاب.
هذه الاتهامات ربما لن تضر بوتين داخلياً، ولكن المؤكد أنها ترغمه أكثر وأكثر على تبني وضعية الانحناء الدفاعية لديكتاتور عادي.. ربما يكون ذا شعبية الآن، ولكنه لن يكون بمقدوره المخاطرة بإجراء انتخابات حقيقية، بسبب القصاص الذي سيناله إذا ما فقد منصبه. إنها قصة محزنة بالنظر إلى الإمكانيات التي كانت لدى بوتين، والذي بدا لوهلة أنه يستوعب معناها جيداً- عندما صعد إلى السلطة منذ 16 عاماً.

*كاتب بريطاني متخصص في الشؤون الدولية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس».

اقرأ أيضا