أرشيف دنيا

الاتحاد

التوني يرصد أحوال المرأة المصرية «على الشاطئ» في 39 لوحة

تراث الفن الشعبي المصري ومفرداته وأشكاله الرمزية المختلفة من أهم الروافد التي استلهمها الفنان التشكيلي حلمي التوني في أعماله منذ ما يقرب من نصف قرن، وجمع خلالها بين عمله الاحترافي كرسام وتصميمه ورسمه للعديد من أغلفة الكتب في العالم العربي أمثال كتب نجيب محفوظ، واستطاع أن يجمع بين التأثيرات المختلفة للفنون القديمة كالفن القبطي والفرعوني والإسلامي في توليفة بصرية معاصرة فيها الدلالات الرمزية التي ربما ينقلها أحيانا بنفس سماتها الشكلية مثل الهدهد والبيضة والسمكة.

مجدى عثمان (القاهرة) - في لوحات الفنان حلمي التوني تطالعك وجوه إحدى الأيقونات القبطية التي خرجت إليك في ألوان إسلامية الدرجات مع تكوين عام تحس فيه متانة النسيج المصري القديم خاصة في بعض أشكال نسائه، حيث تحتل المرأة مرتبة خاصة في أعماله.

علاقة خاصة
استطاع التوني أن يعالج برؤيته الخاصة العلاقة بين النساء والبحر من خلال 39 لوحة قدمها في معرضه الأخير بقاعة بيكاسو للفنون بالزمالك كانت نتاج اشتغاله لمدة عامين على مشروعه الفني «على الشاطئ». وقال التوني إن الفنان عموما حينما كان يتصدى لموضوع شاطئ البحر، تنتصر عليه الطبيعة فينتج أعمالا تشبه الصور الفوتوغرافية التي تلتقط للمشهد المرئي، ما جعله يحاول في أعماله التغلب، بل التحدي للمشهد الفوتوغرافي من خلال اتجاهه إلى تصوير مشهد رمزي أو سوريالي.
وأضاف أنه بدأ العمل على مشروع «على الشاطئ» منذ عامين حينما بدأت العلاقة بين المرأة والبحر تلفت نظره كلما ذهب إلى الشاطئ حيث أصبحت علاقة ملتبسة، فالمرأة تريد أن تستمتع بالحرية والطبيعة، لكن هناك عددا من الموانع تكبح حريتها وتجعلها أسيرة.
وقال الفنان التشكيلي محمد الطراوي إن أعمال معرض «على الشاطئ» جاءت مختلفة عن أعمال التوني السابقة، حيث كان مولعا بالتراث الشعبي، في حين اتخذ من المرأة هنا أداة للتعبير والخروج إلى عالم أكثر رحابة، وتجسيدا لمعنى التيمة التي هي «على الشاطئ»، وعالج المرأة بشكل مجازي إلى حد كبير رغم أن اغلب الأعمال لا تحتاج إلى مفاتيح لفك شفراتها، ويمكن بسهولة للمتلقي أن يتعامل ويشتبك معها، وان تلك المعالجة جاءت بشكل أكثر إثارة وسخونة.

بعد رمزي
أوضح الطراوي أن هناك بعض العناصر الرمزية في اللوحات مثل برج الإنقاذ، الذي ربما يقصد به ناقوس خطر يدق وينذرنا بما سوف يحدث، أو هو طرح للسؤال حول كيفية إنقاذ الوطن من التحديات التي تواجهه على المستويين المحلي والإقليمي.
وقال الطراوي إن هذا البعد الرمزي كان التوني دائما يؤكده في تجربته على مدار السنوات الماضية، إلا أنه في هذه المرة جعله يدور في فلك العمل لتشجيع المتلقي على محاولة تفسيره حتى يشعر بأن هناك شيئا ما يحاول الفنان أن يركز عليه بعيدا عن ترنيمة المرأة التي يعتبرها بوابة يطرح من خلالها كل أفكاره وآرائه.
من جانبه، قال الفنان التشكيلي فريد فاضل إن انغماس التوني في الحياة الواقعية والسياسية بشكل دائم يجعله مشتبكا مع الأحداث ومحملا بهموم الوطن بشكل كبير، ومن لوحة إلى أخرى تتباين الرسالة التي يطلقها.
وعن دخول رقعة الشطرنج في أغلب أعمال التوني، قال فاضل إنها وحدة زخرفية تحدث كثافة أكثر للجزء باعتبارها ذات مساحات كبيرة، موضحا انه في الأشكال الأيقونية الموجودة في مصر أو روسيا أو في البلاد التي انتجت الأيقونات البيزنطية نجد وحدة معينة تم تزيينها بموتيفة زخرفية، وهذا أمر مهم في الأيقونات حتى يكسر حدة الملل، وهذه الأشكال المحددة باللون الأسود الموجودة في أعمال التوني تحتاج إلى وحدة زخرفية تربط أو تكثف الرؤية وتوقف الرتابة.

البعد عن البكائيات
قال الناقد التشكيلي الدكتور صبحي الشاروني إن التوني استطاع أن يكسب جمهورا كبيرا من مقتني ومحبي الفن نتيجة اشتغاله بأعمال بها طرافة وبعيدة عن البكائيات، تبعث لدى المتلقي إحساسا بالسعادة أو البهجة من دون أن يمتزج ذلك الإحساس بسخرية الكاريكاتور، وأضاف أن التوني اتخذ من البحر ذريعة لرسومه، في حين أنه نقل سيدات المشهد على البحر إلى ما يشبه العرائس المتحركة على مسرح العرائس، وان الألوان جاءت على نحو يؤكد ذلك.
وقال الفنان ثروت البحر، المدير الأسبق لمتحف الفن المصري الحديث، إن التوني قضى الفترة الأخيرة على شاطئ الساحل الشمالي، مما جعله متأثرا بفكرة البحر، وهو قادر على أن يقدم لوحة جميلة يحبها الناس، وفي الوقت نفسه ليس بها أخطاء فنية، فهو يرسم مواضيع جميلة ببساطة وبلا تشنج، وأهمية تلك الأعمال أنها تأتي في ظل ما أصبحت عليه الحياة من تعقيد، من حيث أنها أعمال مريحة في الرؤية ومنضبطة فنيا، وأن التوني خلال هذه الأعمال استطاع في أداء بسيط وجميل أن يطور شكل المرأة حيث سبق له من قبل الارتباط بالسيرة الهلالية والفلكلور الشعبي.
وأوضح ثروت أن التوني لا يفكر في الرموز قدر تفكيره في شكل الرمز كبقعة لونية، فتجد السمكة في بعض الأعمال بقعة بيضاء كعلاقة لونية تتوازن مع الوجه الأبيض وقمم السحب وقمة أمواج البحر، مؤكدا أن التكوين الفني بصري بالدرجة الأولى يكون البصر فيه هو الوسيط.





التصالح مع الذات

قال الفنان ثروت البحر، المدير الأسبق لمتحف الفن المصري الحديث «نحن نرسم على شاكلتنا، والتوني متصالح مع نفسه، وليس متعثرا في ولادة اللوحة، وربما ذلك مرجعه لاشتغاله بالرسم الصحفي حيث الاحتكاك المباشر والسريع مع الجمهور، إضافة إلى الفكرة المركزة، والفن جملة مفيدة وبسيطة، أما الجنوح إلى الغموض أحيانا فيكون مداراة لضعف ما، أو عدم وضوح رؤية، وأن اللوحة حينما تخرج من المرسم تصبح سلعة، وسلعة التوني عليها إقبال، ما يؤكد أنها جيدة».

اقرأ أيضا