الاتحاد

تقارير

«مشرف»... والمغامرة بالعودة إلى باكستان

عصام أحمد
باكستان


أعلن الرئيس الباكستاني السابق الجنرال برويز مشرف أنه سيعود مجدداً إلى البلاد لخوض الانتخابات الرئاسية، وذلك رغم تصريحات الإدعاء العام في باكستان بأنه سيتم اعتقاله ما أن تطأ قدماه الأرض بسبب التهم الموجهة إليه في قضية مقتل رئيسة الوزراء الراحلة بينظير بوتو. ففي حديثه عبر الهاتف، خاطب برويز مشرف مؤيديه في مدينة كراتشي يوم الأحد الماضي معلناً عن عودته إلى البلاد خلال الشهر الجاري بعدما حكم البلاد في الفترة بين 1999 و2008 قائلاً لأنصاره: "سأتحمل المسؤولية وأعرض حياتي للمجازفة من أجل باكستان وشعبها"، محيلًا إلى محاولات خصومه السياسيين لإخافته وإبقائه بعيداً عن المعترك السياسي الذي سيحتدم مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.
ومن المتوقع أن تتسبب عودة مشرف إلى باكستان في جملة من المشاكل بين الحكومة المدنية التي تسعى إلى تكريس سلطتها وبين الجيش الباكستاني القوي، الذي وإنْ كان لا يدعم علانية قائده السابق، إلا أنه لا يحبذ رؤيته يتعرض للمشكلات في المحاكم وتلطخ صورته أمام الرأي العام.
فمعروف التعاطف الذي ما زال يحظى به مشرف في بعض أوساط الجيش وبين الضباط الذين كانوا تحت إمرته يوماً، هؤلاء لا يريدون تعرض هيبة الجيش للضرر حتى لو كان المعني بالأمر ارتكب أخطاء خلال فترة حكمه تستدعي المثول أمام القضاء.
وقد سارع الإدعاء العام يوم السبت الماضي إلى الإعلان بأنه سيأمر باعتقال "مشرف" حال وصوله إلى البلاد لتقديمه للمحاكمة بتهمة التقصير في توفير الحماية الأمنية لرئيسة الوزراء المغتالة في عام 2008.
وكانت بنظير بوتو قد تعرضت لدى عودتها إلى البلاد من الخارج وخوضها حملتها الانتخابية إلى إطلاق نار أثناء تجمع حاشد مع أنصارها أدى إلى مقتلها وتعالي الأصوات المدينة للحكومة التي لم تستطع حماية بينظير بوتو.
وحتى لو استطاع مشرف تفادي الاعتقال والمثول أمام المحكمة في حال عُقدت صفقة ما بين الجيش والحكومة المدنية والتوصل إلى تسوية في هذا الموضوع، يستبعد المراقبون أن يحقق الرئيس السابق نجاحاً يذكر في الانتخابات، لا سيما في ظل وجود خصوم سياسيين من العيار الثقيل في الساحة السياسية مثل لاعب الكريكت السابق الذي تحول إلى سياسي مخضرم، عمران خان، وتحقيقه لمكاسب مهمة اكتسح بها أنصار مشرف.
وتتضاعف شعبية عمران لدى الناخبين الذين سئموا من الفساد المستشري في دواليب الدولة، ولم يعدوا يطيقون السياسيين التقليديين، والأكثر من ذلك يواجه "مشرف" عراقيل أخرى تصعب عليه مهمة العودة إلى الحياة السياسية أهمها العلاقة المتوترة مع القضاء.
فقد كانت محاولاته السابقة لإقالة قضاة غير موالين له سبباً في إشعال فتيل الاحتجاجات الصاخبة بقيادة جمعيات المحامين التي أرغمته في النهاية، بعد احتدام التوتر، إلى تقديم استقالته والخروج نهائياً من السلطة في عام 2008.
وعن هذه المصاعب التي تنتظر مشرف، يقول الجنرال المتقاعد والمحلل السياسي، طلال مسعود، "على الأقل ومن الناحية الإجرائية سيكون على(مشرف) المثول أمام المحكمة، ولا أعتقد أن القضاة سيكونون متساهلين معه.
والحقيقة أن عودة مشرف ستخلق العديد من المشاكل للقيادة العسكرية وستضعها فـي موقـع محرج، ولا أعتقـد أيضـاً أنـه يسمـع النصائح التي توجه له حالياً بالبقاء حيث هو".
وفي هذه اللحظة يواجه الرئيس الباكستاني، آصف علي زرداري، ضغوطاً كبيرة من الجيش على خلفية مزاعم بأنه وجه مذكرة سرية إلى واشنطن يطلب مساعدته لمنع حصول انقلاب عسكري ضده، لكنه مع ذلك يعتزم حسب المراقبين خوض الانتخابات الرئاسية، وفيما تنخرط الأحزاب السياسية الباكستانية في منافسة محمومة لاستقطاب الناخبين ورفع نسبة شعبيتها لدى الرأي العام فإن قرار مشرف بالرجوع إلى البلاد قد يوحدها في مواجهته ويدفعها إلى تنحية خلافاتها جانباً ولو مؤقتاً.
هذا الاستعداد لمواجهة مشرف لدى عودته يعبر عنه "أحسن إقبال"، عضو البرلمان الباكستاني المنتمي إلى المعارضة قائلاً: "نحن نتطلع إلى مواجهة مشرف في حال عودته وجعله يقف أمام المحكمة لدفع الحساب عن الأعمال التي قام بها في الحكم، فقد ألغى الدستور مرتين...وأشعل منطقة بلوشيستان، كما دمر القضاء ومارس الرقابة على الإعلام، وفي حكمه تحولت باكستان إلى ملاذ للتفجيرات الانتحارية".
والحقيقة أن السبب وراء هذا القرار بالرجوع إلى باكستان رغم كل الصعوبات التي تنتظر مشرف والأخطار التي ربما تتهدد حياته هو اعتقاده الراسخ بأنه قادر على "إنقاذ" البلاد وبأنه المخلص الذي على يديه ستسترجع البلاد عافيتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهو ما يؤكده المعلق الصحفي،"آياز أمير"، الذي أشار إلى خطاب مشرف وتلميحه إلى النمو الاقتصادي الذي حققته باكستان خلال حكمه، متعهداً لأنصاره باستعادة الازدهار ومعتبراً في الوقت نفسه أن عمران خان الذي يعتبر الأكثر شعبية في البلاد مجرد سياسي مبتدئ.
ويضيف أمير أن "الحظوظ الانتخابية لمشرف هزيلة، لكنه مع ذلك يعتقد أن الشعب الباكستاني ينتظره بفارغ الصبر، والحال أنه جزء من ماضـي باكستان وإن كان يظن بأنه من المستقبل، وهو بالطبع غير صحيح".

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان سيانس مونيتور»

اقرأ أيضا