الاتحاد

دنيا

سينما وسجق

كان أبي يأخذني يوم الثلاثاء من كل أسبوع إلى السينما. في البداية كان هذا يشمل الأسرة كلها، ثم يبدو أنه شعر بأنَّ العبء ثقيل فعلاً مادياً ومعنوياً، بينما كنت أنا طفلاً خفيف الوزن والمسؤولية..
أعتقد أن عشقي للسينما والسجق بدأ منذ تلك الأيام.. ما دخل السجق في الموضوع؟ لأنه كانت تبتاع لنا شطائر السجق من مطعم قريب من السينما. هناك نجلس في الظلام والإضاءة الخافتة نلتهم هذه الشطائر ذات الرائحة المسكرة، وأنا أنتظر في لهفة اللحظة التي يصير فيها الظلام دامساً وتهدر آلة العرض، ويظهر الشعاع الذي تحلق فيه ذرات الغبار.. وعلى الشاشة يظهر أسد (مترو جولدين ماير) ليتلفت حوله في اشمئزاز ثم يزأر ثلاث مرات..
لاحظت أشياء غريبة بصدد هذا الفن الجميل.
هناك دائماً دبابات وهناك ضباط نازيون وصلبان معكوفة.. هناك دائماً قصف مدفعية وطيران وجيوش تلتحم ببعضها، ثم يظهر هذا الجنرال أو ذاك ليصرخ:
“يجب الاحتفاظ بالجسر”!
لكنهم لا يحتفظون بالجسر، وتنهال عليه القنابل ليملأ الدخان الشاشة.
كنت أستمتع بهذا كله، وعرفت معلومة جديدة هي أن الأفلام التي تعرض في السينما حربية دائماً، فلا يمكن أن تكون عاطفية أو غنائية أو مضحكة كالتي يعرضها التلفزيون. السينما مكان تجلس فيه في الظلام تأكل السجق وتشاهد النازيين.. لا يوجد لها تعريف آخر.
وفي البيت تحولت إلى ضابط نازي معظم الوقت. أمشي مثلهم وأمد يدي صائحاً: هايل هتلر..
صرت أتكلم عن الفوهرر وموقعة نورماندي واليوم (ي) ودنكرك وبيرل هاربر..الخ ... بل إنني بلغت درجة رأيت فيها نفس المعركة بعدة أساليب سينمائية. الأسلوب الأميركي المبهرج المليء بالبذخ، والأسلوب السوفييتي الكئيب بإيقاعه البطيء.
احتجت إلى وقت طويل حتى أفهم السر.. أبي كان يعشق الأفلام الحربية، لهذا كان يختارها دوماً.. طبعاً لا أحد يدخل السينما بناء على اختيارات طفل في التاسعة من عمره، والنتيجة هي أنني صرت خبيراً منقطع النظير في الأفلام الحربية..
كانت أمي هي أول من لفت نظر أبي إلى تأثير هذه الأفلام علي، فقد صرت أمشي متخشباً، وأرسم الصليب المعكوف على كل كراساتي، وأؤدي التحية النازية ألف مرة في اليوم.. دعك من أنني بدأت أحلم بوضع القط في الفرن، وصرت أطلق على مدرس اللغة العربية لقب (الفوهرر). سألني أبي عما إذا كنت أحب الأفلام الحربية فقلت في حماسة:
ـ”يا!”
سألني عما إذا كنت أرغب في مشاهدة نوعاً آخر من الأفلام فقلت (ناين).. قال لأمي إن كل شيء على ما يرام.. لكن أمي لم تبد مقتنعة.. خيرته بين اختيار نوعية أخرى من الأفلام أو الامتناع عن الذهاب للسينما نهائياً. يوم الثلاثاء التالي اصطحبني أبي للسينما واشترى لي السجق، ثم حدثني عن أهمية أن نرى أنواعاً أخرى من السينما فليست المدرعات هي كل شيء. وهكذا بدأت حقبة جديدة لأفلام من نوعية (دراكيولا مصاص الدماء) و(دماء من أجل فرانكنشتاين) و(ليلة الموتى الأحياء)..الخ صحيح أنني بدأت أتغير وصحيح أنني كدت أمتص دم أختي وهي نائمة، وكدت أقتل ابن خالتي بوتد في صدره (عصا المكنسة المكسورة)، ورحت أحلم بقضاء النهار كله نائماً في تابوت.. لكن أبي كان قد كف عن اصطحابي للسينما وتركني أختار الأفلام التي تروق لي...
نعم.. هذا هو السر في أنني أهيم حباً بالسجق وأفلام الرعب والأفلام الحربية. وأعتقد أن من واجبي أن أنقل هذا الاهتمام لابني الذي نشأ نشأة غير صحية، فهو يحب أفلام الرسوم المتحركة والأفلام التي تكون الحيوانات أبطالاً لها، والأسوأ أنه لا يحب السجق.. لكني حريص على أن أعالجه من هذا الميول المرضي بأي شكل

اقرأ أيضا