الاتحاد

دنيا

لا تجفف منابع الضحك

ماذا تفعل إذا وجدت نفسك أمام منبع للحقد أو الكذب؟ في الوضع الطبيعي ستلقي حجراً فيه وتذهب بعيداً. لكنك قد تبقى مجبراً، فأنت لا تستطيع الابتعاد عن زميل العمل الحاقد والحاسد الذي قرر أن تكون عدواً له، لأنه موظف مثلك. وتمنعك المجاملة والعيش والملح والكاني والماني من الابتعاد عن الصديق الكاذب. وفوق هذا، أنت لا تستطيع أخذه على محمل الجد، لأنه سيعني انهيار جهازك العصبي.. فماذا تفعل؟
كان زملائي في العمل يشفقون عليّ لأنني أعمل في مكتب واحد مع زميل يدخّن حقداً ويغلي حسداً. وحين عرف الجميع أنه من عظماء الحاقدين والحاسدين، أصبحوا يتحاشون الاقتراب منه. وكان صديق لي يجتهد لنيل ماجستير الكذب، لكنه تفوّق على نفسه ونال الدكتوراه، إلا أنه لم يجد أحداً يحتفل معه بهذا المؤهل العلمي إلا العبد لله: هو يكذب وأنا أصغي. فكلما كان أحد أصدقائنا يكتشفه، يبتعد عن الجلسات المشتركة.
لكنني عشت في تلك الفترة حياة مليئة بالضحك، وأعتقد أنها الفترة الوحيدة التي لم تكن سني عمري تتقدم، فالذي يضحك ألف مرة في اليوم والليلة لا يكبر ولا يشيخ. لكن ما هو الشيء المضحك في زمالة وصداقة الحاقدين والحاسدين والكاذبين؟
كنت استغل الحاقد أبشع استغلال، بأن أتفق مع الآخرين على الحديث عن إنجازاتهم أو إبداعاتهم الوهمية أمامه، ثم أدعوهم لمراقبة إيماءات وجهه والتدقيق على تعليقاته، وصدق القائل: إذا أردتَ أن تسلم من الحاسد، فلبّس عليه أمرك.
فأسأل زميلاً يجيد العزف على العود عن حفل العرس الذي دُعي إليه بالأمس، فيقول بأن الحضور كان متجاوباً وأصرّوا على إعادة عزف بعض المقطوعات، وفي نهاية الحفل كرّمه والد المعرس بعشرين ألف درهم.
ونقعد هكذا نتكلم في موهبته الفنية إلى أن يتصاعد الدخان من رأس الحاقد، فنخرج من المكتب ونجتمع بزملاء آخرين ونأخذ في الضحك حتى تحمرّ وجوهنا وتتعب صدورنا.
ولأن من حق البشرية أن تضحك على الحاقدين والحاسدين، فقد حفظت في “موبايلي” رسالة نصية تبدأ بهذه الجملة: أرجوكم ذكّروني في جلسة يوم الخميس بالحاقد وقصته مع.. ثم أضع عنوان القصة، كقصته مع عازف العود، وقصته مع إشادة المدير بزميل آخر، وقصته مع الزميل الذي تعرف على فتاة يسيل لها اللعاب. وهكذا نختلق إنجازات وحكايات وهمية أمام الحاقد، وننتظر غليان قلبه لنضحك. ثم أبعث “المسج” لأصدقاء يوم الخميس ليذكّروني، فأقول ونضحك. وبالطبع فإن الإنجازات الحقيقية التي يعرفها الحاقد بنفسه تجعلنا أمام شعلة حقد وليس مجرد دخان.
وكنت أمهّد الطريق أمام الصديق الكاذب، فأتحدث عن أمور حقيقية لكنها غامضة أو غريبة أو غير مألوفة، أعرف بالخبرة أن لديه نظائر لها سيقوم بتأليفها فوراً، ومتى ما لاحظت استعداده للكلام، أعطيته الميكروفون ليقول، فأحفظ ما يقول بالضبط. فمثلاً أقول إن الطائرة التي كنت فيها اهتزت في الجو وكادت أن تسقط في المحيط الهندي. فيقول: قبل سنتين حين سافرت إلى تايلاند، حدث لنا شيء مشابه، وتقيأت فتاة جميلة تجلس بجانبي على ثيابي، وأصبحت الفتاة صديقة لي وخرجنا معاً و”عملنا البلاوي”. وما أن ابتعد عنه، حتى أحمل “موبايلي” وأتصل ببقية الأصدقاء ونضحك.
ماذا سيحدث في مصر إذا جفّت منابع النيل؟ ستموت مصر فوراً، لأنها هبة النيل. والقلب مثل مصر، سيضعف ويهرم إذا جفّت منابع الضحك، لأن الصحة هبة الضحك. لكن بعض الناس لا يرون الجوانب الإيجابية في شخصية الحاقد والحاسد والكاذب والبخيل، ولو اكتشفوها، لوجدوا أنفسهم أمام منابع للضحك.

اقرأ أيضا