الاتحاد

دنيا

أنامل لبنانية ترثي السجاد وتعيد إليه ألقه وثمنه

“رتق” السجاد القديم أو رثيه، مهنة بدأت منذ نحو مائة عام في لبنان، مترافقة مع تجارة السجاد النفيس، الآتي من بلاد الفرس، لتشمل فيما بعد صناعة السجاد اليدوي المحلي. ومع الزمن، تطورت لتصبح تجارة السجاد القديم، وإعادة تصنيع القطع القديمة، و”رتق” ما أفسده الدهر فيها، حيث يصبح السجاد جاذباً للسياح العرب والأجانب، يشترونه كتذكار من طرابلس وصيدا وبيروت.

نسج السجاد في الشرق قديم الزمان، وإذا كانت اللوحات الزيتية، تعبر عن خصوصية ثقافية في حضارة الغرب، فإن السجاد عبّر ولا يزال عن حس الشرق، نحو جمال الشكل والخطوط والألوان. ولإن السجاد مثل غيره عرضة للتلف بفعل العوامل الطبيعية، وتؤذيه الرطوبة والماء، نشأت على هامش صناعته، مهنة "رتق" السجاد أو "الرتي"، بالتعبير العامي، وهي حرفة فنية تحتاج إلى مهارة وذوق وإحساس فني وصبر، وإلى ثمن باهظ يدفعه الوفاء صاحب هذه المهنة ألا وهو ضعف البصر وحتى فقدانه أحياناً. وهذه المهنة تكاد تنحصر اليوم في عدد قليل من الحرفيين الذين لا يزالون يشعرون بحنين دائم إلى هذه "الصنعة" التي توارثوها عن الآباء والأجداد.
واقع المهنة
"الرّثاء محمد كوراني تحدث عن واقع مهنة قل عدد العاملين فيها، ولكنها تدوم ما دامت صناعة السجاد، يقول: "ورثت هذه المهنة عن والدي منذ حوالي ثلاثين عاماً، ولم يكن عمري قد تجاوز العاشرة حينما تعلمت أسرار "الرتي"، وهذه المهنة إيرانية في الأصل، تعلمناها عن طريق الأرمن، ونحن الآن نعلمها للجيل الجديد، الذي لم يعد لديه الصبر والجلد على تعلم "صنعة الرتي". وتعتمد هذه الحرفة كما يقول كوراني على شغل اليد، كما تحتاج إلى موهبة وابتكار، وإلى مهارات الحرفي والفنان، وغالباً ما يكون "الرتّا" حائكاً زاول حياكة السجاد ثم تقاعد، أو ورث الخبرة عن أسرة امتهنت الحياكة زمناً، ثم انصرفت إلى الاتجار به.
وحول مراحل هذه المهنة، يقول كوراني: "إذا كانت السجادة عجمية مثلاً وفيها ثقب، يتم سدها بالخيطان، لترجع كنسيج وتشد على نول صغير، وتجري عملية النسج بأدوات صنارة في "الزرع" و"الإسقاط"، والإبرة والكنار والحبكة. أما إذا كانت السجادة قد خسرت أهدابها، فإننا نضعها على النول، ونستخدم المشط أيضاً، ويجب أن نراعي عدم اختلاط القطبة عن الثانية، لأن الاختلاف يظهر عيباً في السجاد".
وحول المدة التي تستغرقها عملية "رثي" سجادة، يوضح:"يعود ذلك إلى حجم السجادة ونوعها، فهناك سجاد من قطبتين، وهناك القطبة المبسطة والقطبة العادية، وقد تستغرق عملية صبغ لون ما، يومين أو ثلاثة، لأن أصباغ السجاد القديم نباتي كله، لذلك نقوم بمزج الخيوط النباتية مع المواد الكيميائية بطريقة لا تظهر الاختلاف بينهما، وخصوصاً بعد مرحلة التمويت والتعشيق، حسب الزمن الذي نسجت فيه السجادة".
صعوبات العمل
"الرّثاء فايز النجار يتحدث عن الصعوبات التي تعترض عمل "الرتا"، فيقول: "نعاني بعض الصعوبات إذا كانت السجادة قديمة أو نادرة، والفتق صغير لا يتجاوز (1 سم) × (1 سم) في بعض الأحيان، وهذا يأخذ جهداً كبيراً، ووقتاً طويلاً من العمل، وعموماً فالسجاد العجمي أصعب في شغله وفي "رتيه"، وفي تركيز ألوانه من السجاد الصناعي".
وعن أشهر أنواع السجاد التي قام برثيها، يقول:"قمت برثي أنواع كثيرة ونادرة من السجاد الإيراني والأفغاني والتركي وحتى الصيني، ومن أهمها "الميير"، وهو سجاد نادر جداً، أرضيته زرقاء غامقة وعليها رسومات نخيل أحمر، مرصوص إلى جانب بعضه البعض. و"الصردة" الذي كان من أفضل أنواع السجاد في الماضي، وعقده متناسقة ودقيقة، ورسومه واضحة على القفا وضوحها على الوجه، وكذلك اشتغلت على سجادة من نوع "الساروك"، مصنوعة في إيران، يعود تاريخها إلى أكثر من مائتي عام، وهي ذات ملمس خشن، ورسوم مزينة بالخيط الأسود، تباع الواحدة منها بآلاف الدولارات".


عناصر تحديد قيمة السجاد



يقول الرّثاء فايز النجار: “العنصر الأهم في تحديد قيمة “السجادة” الثمينة هو قدمها، وبالتالي ندرتها.
وتعتبر حالة السجادة عنصراً مهماً في تحديد قيمتها، فالقطعة القديمة البالية لا يمكن أن تستعمل، إلاّ كديكور كما أن زوال إطار السجادة كفيل بتخفيض قيمتها إلى نحو 20 بالمائة، وهناك عنصر مهم آخر وهو عنصر الجمالية، يليه عنصر النوعية أي النعومة التي تتمثل بالليونة، بحيث أن عدد القطب في المربع الواحد يتراوح بين ألف وقطبة في السجادة الحريرية المتقنة الصنع”.

اقرأ أيضا