الاتحاد

دنيا

زرعت ليجني غيري

لقد شقيت بحسن ظني، وتعذبت بنقاء سريرتي، وتحطمت بسبب إخلاصي وتمسكي بالأخلاق والقيم، جاءني الغدر من مأمن، بل من مأمنين، خسرت كل شيء في لحظات وندمت في وقت لا ينفع فيه الندم ومن المستحيل أن تعود الأيام مرة أخرى لأصلح ما ساهمت بنفسي في إفساده، ضاع الماضي وفسد الحاضر ولا أمل في المستقبل.

تبدأ مأساتي بانتهاء دراستي الجامعية عندما تقدم لخطبتي مهندس متواضع الحال، من أسرة دون المتوسط تعيش على هامش الحياة، لا يملك مسكنا للزوجية ولا حتى مصروفات الزواج ليس بين يديه إلا راتبه ورغم هذا كله لم أتردد في قبوله شريكا لحياتي وإن كنت أفضل منه حالا بكثير والفارق بيننا شاسع، أردت أن أكون نموذجا فريدا في هذه الأيام، على عكس بنات هذا العصر اللاتي يحلمن بالفيلا والسيارة الفاخرة والرصيد في البنك والزوج الثري، نعم كنت أحلم بهذه الأشياء وأتمنى أكثر منها لكن بشيء من العقلانية وقفت على الأرض وعشت الواقع، لم أتشبث بالأحلام الواهية الوهمية وتعلقت بالعمل والأمل بأن هذا كله لا يتحقق إلا بالجهد والعرق، نعم الطموح مشروع لكنه يتنافى مع الكسل والنجاح ليس عنا ببعيد إذا تكاتفت ايدينا وبذلنا ما في وسعنا.

وزير المالية
اعترضت أسرتي في البداية، وبعد قليل من الحوار المنطقي الهادئ وافقوا على مضض، فكل أب وأم يريدان تأمين مستقبل الأبناء وفي النهاية تمت الزيجة في شقة مستأجرة وأنا بين فريقين منقسمين مختلفين الأول والأكبر معارض لما فعلت واعتبروني مجنونة، وزرعوا في نفسي الرعب والخوف من الفشل وأنني لن أتحمل هذه المعيشة ومن المؤكد أنني سأندم، وقد أعود إلى بيت أبي وأنا احمل لقب مطلقة، والفريق الثاني الأقل والأضعف يشجعني وان كان يعرف أنني اتجه نحو المجهول لكن الأمل موجود، ومن بين هؤلاء صديقتي المقربة التي تلازمني منذ الطفولة والصبا إلى الشباب وتعرف كل أسراري، ربما اكثر مما أعرف، دفعتني دفعا ووقفت بجانبي وهي تؤكد أن الرزق على الله مضمون وأنني وزوجي يمكننا أن نحقق كل طموحاتنا وآمالنا، خاصة انه مكافح ودخل سوق العمل منذ طفولته واستطاع أن يتحمل كل نفقات تعليمه، وسمعت منها ثناء عليه عندما عرفتها عليه في جلسة جمعتنا، وانصهرنا في بوتقة واحدة، تشاركنا كل خطوة في حياتنا وبيتنا وتشهد خطواتنا ونحن نصعد السلم درجة درجة تعمنا السعادة وتلفنا الفرحة والسرور.
بطريقة الهندسة التي تأثر بها من خلال دراسته كان يسطر كل شيء في حياتنا ويقيسه بالمليمترات وأنا من جانبي تحولت إلى وزير مالية ماهر، فلا ننفق فلسا إلا في موضعه عند الضرورة القصوى، تخلينا عن الكماليات وقاطعنا المتنزهات وحرمنا الزيارات وأصبح الترفيه عندنا من الممنوعات، وبفضل الله جاءت النتائج طيبة وبدأ يخيب ظن الذين رفضوا في البداية وراحوا يتعجبون وهم يروننا نجني أولى ثمار النجاح عندما دفعنا مقدم شقة تمليك في مكان متميز وفي سنوات قليلة انتهينا من سداد كامل ثمنها ثم في عدة اشهر اخرى تمكنا من تأثيثها بشكل لائق، وكانت تلك نقلة كبرى في حياتنا لم نكن نتوقعها.

دفعنا هذا الإنجاز إلى المزيد من الطموح لتحقيق أحلامنا المؤجلة، فما أن أفقنا وكسبنا هذه المعركة حتى بدأنا في خوض معركة اخرى وإن كانت أقل شراسة، وهي الحصول على سيارة وأنا مازلت أمارس مهامي في وزارة المالية المنزلية وأصُدر الفرمانات الواجبة التنفيذ لأحكم قبضتي على الأمور ولا أترك مجالا للتراجع أو الفشل، وقد استسلم زوجي ورفع الراية البيضاء وأوكل اليَّ هذه المهام لأنه يثق بقدراتي ورأى النتائج وجنى ثمارها، وعندما تمكنا من ادخار مبلغ يكفي ليكون مقدما لسيارة لائقة تأبطت يد زوجي وصديقتي وبدأنا جولة بين المعارض للاختيار، كان شرطي الوحيد ان يكون لون السيارة أحمر وتجذب الأنظار وبعد أن انهينا الإجراءات وتسلمنا السيارة كان اول ما فعلناه احتفالا بسيطا ضمني وزوجي وصديقتي لم يتعد أكثر من جلسة قصيرة تناولنا فيها مشروبات باردة، وكانت أول انطلاقة الى منزل صديقتي لنعيدها الى بيتها، تغمرني السعادة وأنا أجلس في المقعد الأمامي، والأشجار والبنايات تمرق من حولي، وبجواري زوجي وخلفي صديقة عمري وأشعر كأنني الآن امتلك الدنيا بأسرها، ألقيت بحذائي وحقيبة يدي بطريقة عشوائية عند دخولي المنزل، تعبيرا عن سعادتي واستلقيت على ظهري فوق السرير، وسرحت بخيالي في الأيام الخوالي استعيد شريط الذكريات كله واسترجع طفولتي وصباي وقصة زواجي وكفاحي ومازلت غير مصدقة أخشى أن يكون ذلك حلما. وأفقت على رنين الموبايل كانت أمي على الطرف الآخر تقدم التهاني على السيارة الجديدة، وبعدها أبي واخوتي ليلتها كنت بين النوم واليقظة لا أنا نائمة ولا متيقظة في منطقة وسطى لكنها مشوبة بقلق غير مسبب. انتقلنا من مرحلة الى مرحلة ثم إلى ثالثة حيث نريد مشروعا يؤمن مستقبلنا ومستقبل أولادنا القادمين نعم أولادنا الذين لم يأتوا بعد رغم مرور ما يقرب من عشر سنوات على زواجنا أو يزيد، لم نفتح هذا الموضوع ولم نناقشه، لم يكن له في حياتنا وجود، نسيناه أو تناسيناه وانشغلنا بتحقيق ذاتنا وجمع المال لتأمين حياتنا وفي خضم هذا الانشغال نسيت أيضا أن أحدثكم عن علاقتي بزوجي فقد كانت جافة تغلب عليها المادية وتطغى عليها الحسابات ولا وقت لدينا للعواطف والمشاعر كأننا كنا بين خيارين، أما العشق وإما المال استطيع أن أقول لكم إن حياتنا الزوجية كانت مصابة بمرض الجفاف، لا حديث بيننا إلا عن الأرقام والدخل والتوفير وسعادتنا في شراء شيء جديد، وتفكيرنا في الخروج من الحرمان بينما كان الحرمان يفرض نفسه على تعاملاتنا الزوجية التي كانت روتينية ويخيل إلينا أنها جيدة، فلا اسأل زوجي اين ذهب، الأمور تسير على طبيعتها.

آلام مفاجئة
فجأة شعرت بآلام في بطني لا أعرف سببها، لكنها كانت صعبة وغير محتملة، أصر زوجي على نقلي إلى المستشفى وأصررت على أن تذهب صديقتي معي فأنا لا اطمئن إلا اذ كانت بجانبي ودون نقاش استجاب زوجي وتوجهنا إلى الطبيب الذي ادخلنا في دوامة التحاليل والاشعات لعدة أسابيع وانا غير قادرة على تقديم الشكر لصديقتي التي تلازمني في كل خطواتي وارى أنني لم اقدم لها شيئا مقابل ذلك بل الأصح أنني اعتقد انه لا حساب بيننا على شيء فأنا وهي وزوجي شخص واحد وأخيرا قرر الأطباء اجراء جراحة خطيرة لي وتم تجهيز غرفة العمليات، وكانت آخر نظراتي قبل أن افقد الوعي بسبب التخدير تقع على زوجي وصديقتي. وتم إجراء الجراحة لا أدري كم بقيت في غرفة العمليات ساعات أم أياما، ولا ادري أيضا كم بقيت في العناية المركزة، حتى بدأت أتعافى ببطء واعرف وأدرك ما حولي، تماثلت للشفاء لكن الغريب في هذه الايام والاسابيع ان أمي هي التي كانت بجانبي ولم يعد لزوجي ولا صديقتي وجود ولم يحضرا للاطمئنان عليَّ ولم يجر أي منهما حتى اتصالا هاتفيا، الأمر جد خطير ولا يردان حتى على الهاتف عندما حاولت الاتصال بكل منهما عدة مرات وشعرت بالقلق عليهما وفاتحت أمي في الأمر فبررت ذلك بانشغال زوجي بأعماله الكثيرة وأنها لا تعرف شيئا عن صديقتي، حتى حان موعد خروجي وأيضا لم يأت زوجي لينقلني الى بيتي بسيارته، فاضطررت لاستقلال سيارة اجرة والعودة بها الى المنزل. تحاملت على آلامي حتى نقلني المصعد أنا وأمي وأخي إلى الطابق الرابع حيث شقتنا، فتحت الباب وما أن دخلنا حتى فوجئت بتغيير في اثاث الشقة ونقل بعضه وإعادة ترتيبه، في البداية اعتقدت أن زوجي أعد لي مفاجأة سارة بهذا التغيير، بالفعل اعد لي مفاجأة لكنها كانت قاتلة اذ وقعت عيناي على ما لم أصدقه ولم استطع ان أتحمله، صديقتي تخرج من غرفة نومي بملابس خليعة، المشهد درامي قبل ان ينطق اي منا بكلمة. قال لي زوجي لا يذهب فكرك بعيدا لست خائنا إنها زوجتي أيضا، كانت هذه الكلمات كافية لأن تفقدني الوعي وأروح في غيبوبة من جديد لم أتحمل الصدمة وأعادوني إلى المستشفى عدة أسابيع لم تكن كافية لأن أعود إلى الحياة كنت بين الصمت والدموع حتى عدت إلى منزل أبي، ولا أجد تفسيرا لهذه الخيانة المزدوجة والضربة الموجعة القاضية، كأنني سقطت من فوج برج عال، فقدت كل شيء انهار كل ما بنيته كأنه بناية من رمال على الشاطئ جرفتها الأمواج ولم تترك إلا آثار الألم والسنين وتعب الأيام وسهر الليالي.
أشعر برغبة ملحة في الانتقام لكرامتي أريد أن أذبحهما واقطعهما، وحتى لو فعلت هذا فإنه لن يشفي غليلي، النار داخلي متوهجة مشتعلة لا أجد ما اطفئها به، لكنني اعود في لحظات الصدق مع النفس وألوم نفسي لأنني وضعت النار بجوار البنزين وقدمت صديقتي لزوجي. وقدمت زوجي لصديقتي، وانسحبت من بينهما وانا مشغولة بجمع المال ولكنني كنت اعتقد انه مازال هناك شيء اسمه الوفاء والإخلاص وأخيرا اكتشفت أنني مخطئة.

اقرأ أيضا