الاتحاد

الملحق الثقافي

الكسندر سولجينستين اخترق الستار الحديدي بالكلمة

سولجينستين صديق الكلمة

سولجينستين صديق الكلمة

''في البداية كنت شاعراً، وكنت صديقاً للأشجار وللهواء وللطيور وللفلاحين الذين لا تعنيهم لعبة الزمن، لم أتغير في داخلي، حتى عندما كانت العيون الخشبية تلاحقني· لديَّ شعور دائم بأنني ولدت لأكون صديقاً للكلمة''· هكذا سجل الكاتب الروسي الراحل مؤخراً الكسندر سولجينستين انطباعاته في خضم الملاحقات التي كان يتعرض لها من الشرطة السرية السوفياتية، وقد ساءها أن يكون الرجل النحيل متجذراً في عدائه للحاكم المطلق جوزف ستالين·
سعادة قسرية
''عاش حياة صعبة لكنه كان مع ذلك سعيداً''، هكذا عبّرت زوجته ناتالي لحظة رحيله، مخالفة في ذلك رأياً أطلقه حوله الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، قبل نصف قرن قائلاً: ''إنه الثلج الذي يتعذّب''· في حين أجمعت آراء المتابعين لسيرته الحياتية ومواقفه على أنّ كتابات سولجينستين كان لها دور أساسي ومؤثر في التعجيل بنهاية الاتحاد السوفياتي السابق الذي انهار عام ·1992
ولد سولجينستين في 11 ديسمبر 1918 في القوقاز، ودرس الرياضيات، واعتنق المثل الثورية للنظام الشيوعي الناشئ، حارب القوات الألمانية التي هاجمت روسيا في 1941 بشجاعة، وأمضى ثماني سنوات قاسية في السجن بدءاً من العام 1945 عقاباً له على مهاجمته للديكتاتور جوزف ستالين، ليخرج منها بروايته الأشهر ''يوم من حياة ايفان دنيسوفيتش''، عن ''أرخبيل الغولاغ'' الذي كان منفى المعارضين للحكم السوفياتي، ويحوز على جائزة ''نوبل للآداب عام ،1970 لكنه آثر عدم الذهاب إلى السويد لاستلام الجائزة خشية أن تمنعه سلطات بلاده، في عهد ليونيد بريجنيف، من العودة، فقد كان حريصاً على البقاء في روسيا ليرصد معالم القمع ويسجلها في أعماله·
التجربة العنيدة
الرواية لفتت أنظار العالم إلى معسكرات العمل الجبري في الاتحاد السوفياتي السابق، وبالرغم من قساوتها فقد تملكت التجربة من سولجينستين، ودفعت به نحو المزيد من التجذر في رفض التعسف السلطوي· ولم يكد يتلقى الإفراج عنه في عام 1953 قبل بضعة أسابيع من وفاة ستالين، حتى نفي إلى آسيا الوسطى حيث بدأ الكتابة، ليعود إلى الجزء الأوروبي من بلاده الشاسعة ويعمل مدرساً في ريازان على بعد مئتي كيلومتر من موسكو·
لدى توليه السلطة سمح خليفة ستالين، نيكيتا خروتشيف، بنشر ''يوم من حياة ايفان دنيسوفيتش'' في المجلة الأدبية ''نوفي مير''، وهي رواية حول معتقل عادي في الغولاغ نشرت في 18 نوفمبر ·1962 وكان لصدور العمل أن أثار الكثير من الصخب في دولة الستار الحديدي، كما انتشر اللغط في صفوف حلفاء السوفيات على مستوى العالم بأكمله، في حين أقبل ملايين المعتقلين السابقين على قراءة الرواية بشغف كما لو أنها سيرة ذاتية لكل منهم·
منشق ولكن
بعد أربع سنوات على صدور روايته المثيرة للجدل تم نفي سولجينستين إلى الغرب، حيث عاش أولاً في سويسرا، ثم أقام في فرمونت في الولايات المتحدة، وهناك أيضاً لم تغادره الروح النقدية، فسلط سهام كتاباته على الفكر الليبرالي وعلى الحراك السياسي الذي شهدته بلاده روسيا، في أعقاب انهيار النظام الشيوعي· وقد أنجز في أواخر سنيه كتابات عدة تناولت التاريخ والهوية الروسية، وسرعان ما اكتشف مضيفوه في الغرب أنّ سولجينستين الذي أقض مضاجع جماعة الستار الحديدي هو شديد الحرص على انتمائه السلافي، ولا يرتبط بكثير من الود مع نمط العيش الاستهلاكي السائد غرباً·
بعد روايته عن الغولاغ، تابع سولجينستين مهمة الكتابة، لكن توزيع روايتيه ''جناح المصابين بالسرطان'' و''الدائرة الأولى'' اقتصر على القنوات السرية التي كانت تروج لنتاجات الخارجين على سطوة النظام الشيوعي، ممن أطلقت عليهم تسمية المنشقين، لكنّ ذلك لم يمنعهما من أن يحظيا برواج مميز·
مدار الخيبة
عاد سولجينتسين إلى بلاده الجديدة عام 1994 محتفظاً بشعور الخيبة والتشاؤم، إذ لم يكن سهلاً عليه أن يندمج في تفاصيل المرحلة المتغيرة، مع أنه أبدى قدراً من الانسجام مع بعض المفاهيم التي كانت سائدة، فقد أيّد تطبيق حكم الإعدام بحق الإرهابيين، كما وافق على التدخل الروسي في الشيشان، ولم يتردد في الإشادة بالرئيس الروسي آنذاك فلاديمير بوتين، قبل أن يبتعد عنه لاحقًا بعد اكتشافه أنّ الرئيس لا يعمل بنصائحه·
اتهم الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بمحاصرة روسيا رغم أنها لا تشكل خطراً عليهما، مشيراً في حوار نادر مع أسبوعية ''موسكو نيوز''، وهو الذي عرف عنه عزوفه عن الإعلام، إلى أنه وعلى الرغم من أن روسيا لا تمثل اليوم خطراً على حلف الناتو، فإن الحلف يعزز بشكل ممنهج ودائم آلته العسكرية في شرق أوروبا، ويحاصر روسيا من الجنوب''·
وأضاف: إن هذا الحصار يشمل الدعم المادي والإيديولوجي لما أسماه ''ثورات الألوان''- في إشارة إلى ما أطلق عليه الثورات الأرجوانية في أوكرانيا وجورجيا- وفرض مصالح الحلف على دول شرق آسيا·
كان الأديب الراحل يدعم روسيا القوية، قائلاً: ''أصبحت روسيا عقلاً، وهذا ما تحتاجه البشرية التي تتعرض للانتهاك الثقافي والأخلاقي''، ويتساءل عن السبب الذي يجعل الأميركيين يحاصرون روسيا من الجهات الأربع قائلاً: ''لقد عذبتنا الحروب كثيراً، وسواء كانت ملتهبة أم باردة، كان الأميركيون يقولون بروسيا الحرة، لقد أصبحت حرة فعلاً، فهل يريدوننا أن نستبدل كارل ماركس بـجورج بوش؟!
كما تطرق لموضوع آخر لا يقل حساسية عن سابقه، ويكاد يكون من المحرمات أيضاً، وهو يتصل بالعلاقات بين اليهود والروس، مؤكداً رغبته في تشجيع التفاهم المتبادل، لكن مسؤولاً في المؤتمر اليهودي الروسي انتقد بشدة كتابه ''قرنان معاً''، معتبراً أنه قد يقدم ذرائع جديدة لمعادي السامية·
عودة الوعي
العالم في رأي سولجينستين يحتاج إلى دقات القلوب، لا إلى قرع الطبول، كان يرى أن على الأدب أن يكون صدامياً: ''الكاتب لا يعبث بالوردة، بل هو يحاول أن يضع قدمين للزلزال· الأدب قوة ومقاومة''، ويضيف: ''أنا لا أتكلم ككاتب روسي، وإنما ككاتب ينتمي إلى هذا الزمن·، لعلنا كلنا مدعوون إلى أن نقف على قيد أنملة من الحياة، والحياة عندي تعني أن الوعي الذي طالما شعرنا أنه أفلت من أيدينا، يطرق الباب''·
ثمّ يستنتج قائلاً: ''تجربتنا الوطنية المريرة ستساعدنا، إذا تعرضنا لظروف اجتماعية مضطربة، في تفادي التعرض لاخفاقات مؤلمة''· عبر سولجينستين عن تأييده لحكم بوتين الذي تولى الرئاسة بين عام 2000 و،2008 وكتب أن ''بوتين ورث بلداً منهوباً جاثماً على ركبتيه غالبية سكانه يشعرون بالإحباط وغارقون في البؤس بدأ بإعادة بنائه شيئاً فشيئاً، وببطء· لم تظهر جهوده أو يتم تقديرها على الفور''·
يروي سولجينستين أنه بعد صدور كتابه ''روسيا نحو الهاوية'': ''طلب (الرئيس الروسي الأسبق بوريس) يلتسين شخصياً منحي وسام الدولة الأعلى، وأجبته بأني لا أستطيع قبول منحة السلطة التي جلبت لروسيا الدمار··· لا أستطيع أن أقبل الجائزة من رئيس، بل من مجموعة خبراء ذوي كفاءة، من باحثين روس ومبدعين ومثقفين يحظون باحترام في مواقعهم''·
وعن تجربة المنفى، يقول الكاتب المشاكس: ''كنت في فيرمونت المدينة الأميركية التي أحببتها كثيراً، التقيت ببعض الذين قالوا لي إنهم يحبون الأرصفة، لأنهم يجدون هناك أقداماً بشرية·· ناس من كل الأنواع·· لا أحد ينظر إلى الآخر، لكن كل منهم بحاجة ماسة إلى الآخر·· لطالما لعبت دور الآخر هذا لكي أشعر بالامتلاء·· تلك ثقافة تجعلنا نشعر بأننا نجرد حقائب فارغة''، ويسأل: ''لماذا يتم تفريغ تلك الحقائب البشرية من محتوياتها؟''·
آراء ملتهبة
أيضاً يستغرب أديب نوبل كيف أن الأجيال الجديدة انفصلت هكذا عشوائياً عن ثقافة الآباء قائلاً: ''إنّ الأبناء الذين توفرت لديهم وسائل خارقة للاتصال والتواصل، يمكن أن يعتقدوا أن تولستوي هو اسم لنوع معين من السجائر، وإذا أصغى أحدهم إلى سمفونية ''شهرزاد'' لـ''كورسكاف'' فلن تكون لديه أية فكرة عن ألف ليلة وليلة، ولا عن ذلك الشرق الذي أمسياته كما لو أنها أمسيات الجمر''·
كتب سولجينستين أيضاً عن الأمية الثقافية، وفي هذا يقول: ''ونحن صغاراً كنا نلتهم الكتب كما تلتهم الدببة طعامها، تلاحق عيوننا كل الكلمات· لم نكن نمتلئ أبداً·· حتى الآن أشعر حين لا أقرأ بأنني عبارة عن غرفة باردة وخاوية·· أشبه تماماً رجل الصقيع''

اقرأ أيضا