أرشيف دنيا

الاتحاد

«التأتأة» اضطراب قابل للعلاج وغير مرتبط بمستوى الذكاء

تعرِّف منظمة الصحة العالمية التأتأة بأنها أحد اضطرابات النطق المتمثلة في عدم انسياب الكلام من اللسان بطلاقة واسترسال. فالمتأتئ يتحدث عادة بشكل متقطع ويتخلل كلامه الكثير من الوقفات، يجد فيها نفسه عاجزاً عن إنتاج الأصوات، التي يرغب في إصدارها لإيصال رسالة ما إلى مُخاطبيه أو مستمعيه، كما يكرر بعض الكلمات بشكل لا إرادي، ويمدد بعض الحروف، خاصة أحرف العلة، ويُمطط بعض المقاطع اللفظية والكلمات والجمل. وقد تشمل التأتأة أيضاً التردد عن الكلام أو العزم على التحدث ثم التوقف عنه بشكل لا إرادي. ويؤثر هذا الاضطراب كثيراً على الحالة النفسية للمصاب به، إذ يصبح أكثر ميلاً إلى الانطواء، ويفرض على نفسه عزلة عن المجتمع، فتتنامى لديه مشاعر القلق والتعب وفقدان السيطرة ويتلبسه إحساس بنوع من الخزي. ولا توجد أية علاقة بين التأتأة ومستوى الذكاء والتفكير، بل إن المتأتئ قد يكون متفوقاً على أقرانه من غير المتأتئين في عدد من المجالات.

أبوظبي (الاتحاد) - أكثر من ثلاثة ملايين أميركي يُتأتئون، أي حوالي 1% من العدد الإجمالي لسكان الولايات المتحدة الأميركية. ويُمثل الذكور أربعة أضعاف حالات إصابة الإناث. وتظهر التأتأة على 5% من الأطفال ما دون سن التمدرس، لكن أغلبهم يتعافون منها بشكل تلقائي ومن دون علاج، فلا تعدو كونها في هذه الحالة مرحلة طبيعية من مراحل نمو وتطور جهاز النطق. وعلى الرغم من أن العُلماء لم يجدوا إلى الآن أي سبب مباشر يؤدي إلى الإصابة بالتأتأة، فإنه يُعتقد أنها نتيجة مزيج من العوامل الجينية (هذا ما يُفسر كون قُرابة 60% من الأشخاص المصابين بالتأتأة لهم قريب واحد أو أكثر مصاب بالتأتأة)، وعوامل فيزيولوجية عصبية وأخرى وراثية تنتقل في بعض العائلات من جيل إلى جيل.

تجميل الألسن
كغيرها من الأمراض والاضطرابات المحيرة، كان للتأتأة تاريخ طويل شهد تقلبات وتغيرات عديدة على مستوى التوصيف والتشخيص وتفسيرات لا تخلو من غرابة أو طرافة. فمنذ بدء تصنيفه كاضطراب لغوي قبل أكثر من 2,000 سنة، توالت النظريات والمقاربات التوصيفية التي اتسمت غالبيتها بالسطحية، وبالسخافة أحياناً. فالفيلسوف أرسطو، الذي يقول البعض إنه عانى في مرحلة ما التأتأة، كان يعتقد أن هذا الاضطراب يُلازم المتحدث إذا كان لسانه ثقيلاً جداً، إذ يصبح والحال هذه "بطيئاً للغاية ويعجز عن مجاراة صور الرسائل العصبية التي يتخيلها". أما جالينوس، الكاتب والطبيب الإغريقي الشهير المتخصص في علم التشريح، فكان يقول إن التأتأة لا تصيب إلا الشخص ذا اللسان الرطب جداً. من جهته، كان الطبيب الروماني سيلسوس يوصي بالغرغرة وتدليك اللسان ومنطقة الحلق والعنق لتقوية اللسان الضعيف. وبلغت هذه الادعاءات والتخاريف أوجها في القرن التاسع عشر عندما قال الجراح التجميلي البروسي جوهان فريديريتش دييفينباخ إن التأتأة لا تصيب إلا أصحاب الألسن الثقيلة أو الطويلة، وهو ما جعل بعض المُتأتئين يلجؤون إليه من أجل قطع أجزاء من ألسنتهم من أجل تخفيفها أو تقصيرها وتجميل نطقها!

«خطاب الملك»
لم تنضج المقاربات العلمية والطبية حول التأتأة إلا في بدايات القرن العشرين، إذ شُرع آنذاك فقط في اتخاذ خطوات جدية ومنطقية حاولت استيعاب الأسباب المؤدية للتأتأة، ونجحت إلى حد ما في تشخيصها بدقة واقتراح مبادئ أولية لعلاجها. وكان المعالجون يميلون إلى التركيز على حالات التأتأة التي تظهر لدى المراهقين. فعالم أمراض النطق بجامعة بوستون، ألبرت مورفي، قدم نظرية سيكولوجية المنشأ، أشار من خلالها إلى أن أسباب التأتأة "تكمن في اضطراب العلاقات الشخصية للفرد مع الآخرين واهتزاز صورته الذاتية والنظر إلى نفسه بدونية". وهذه النظرية هي جوهر الفكرة، التي يدور حولها فيلم الدراما التاريخي البريطاني "خطاب الملك"، الذي بدأ عرضه في القاعات السينمائية البريطانية أمس الأول فقط. ويحكي الفيلم قصة جورج السادس ملك بريطانيا العظمى وإيرلندا خلال الفترة من 1936 إلى 1952 قبل توليه العرش ومشكلة التأتأة، التي كان يعاني منها، والتي جعلته غير مؤهل ليكون ملكاً، فاستعان بعالم أمراض النطق النمساوي ليونيل لوجيه جيفري راش لمساعدته في التغلب على هذه المشكلة. وركز كاتب السيناريو، ديفيد سيدلر، الذي يعاني بدوره التأتأة، على عنصر بناء الثقة، الذي سيتمكن من خلاله ليونيل من إقناع الملك جورج بإمكانية علاج حالته عبر تحفيزه على استعادة ذكريات سنوات طفولته ومراهقته. وتبدأ عُقدة الملك تجد طريقها إلى الحل في المشهد، الذي يشرع فيه الملك في إعادة سرد صنوف الألم والعذاب، التي سببها له أخوه الأكبر إدوارد من خلال السخرية منه باستمرار، وسوء معاملته من طرف مربيته وجليسة أطفال العائلة الملكية.

جلد الذات
قد تبدو هذه النظرية ذات الأبعاد النفسية جذابة، لكنها نظرية متقادمة ومن التحليلات التي أكل عليها الدهر وشرب. فالمقاربات العلاجية المستخدمة حالياً في علاج اضطراب التأتأة تقوم على تقنيات أحدث تُركز على تمارين التنفس وطريقة التغذية الراجعة السمعية المتأخرة، التي تستعمل أجهزة تشبه سماعات الأُذن، وتلعب دوراً كبيراً في ارتجاع صوت المتأتئ إليه، فيسمع كل ما ينطقه من كلمات. فبالنسبة للشخص الذي يُتأتئ، كل صعوبة في النطق أو عجز عن التحدث بلسان طلق ينتقص من ثقته بنفسه، ويترك وراءه جُرحاً نفسياً غائراً يتحول مع الوقت إلى إحساس بالعار وكراهية النفس. ويمكن للشخص المصاب بالتأتأة أن يكون متفوقاً في العلوم، وأن يكون قارئاً جيداً، ويُبدع في ممارسة رياضة أو هواية ما بشكل يفوق أقرانه، كما قد يكون وفياً في صداقاته وعلاقاته. لكن ما يُعشعش في ذهنه ويسكن باله هو أنه يُتأتئ، وهذا بحد ذاته مشكلة عويصة تُسبب له منتهى القلق وتستحوذ على كل تفكيره. ففي كل حالة تأتأة، يشتد لديه شعور داخلي بالفشل وينخر أعماق لاوعيه، فلا تتردد في ذهنه إلا عبارة "كل شخص يعتقد أنني أبله"، وهو ما يجعل محاولته الثانية للنطق من دون تأتأة أو تلعثم أصعب وأكثر تعقيداً.

عنان اللسان
ليس واقع المتأتئ حالكاً كله، بل تشوبه إضاءات وإنجازات. فإذا حصل أن انطلق لسانه في قول جملة، فإنه يعتبر ذلك انتصاراً وحافزاً على تكرار المحاولة، وهذا يقوي إيمانه ويُعزز يقينه بقدرته على التحدث بطلاقة عاجلاً أم آجلاً. ولذلك فهو لا يفتأ يُذكر نفسه "سأُعاود الكرة وأُحاول مجدداً"، ويدخل في نقاشات متواصلة مع الذات ويُخاطب نفسه باستمرار "لا بُد أن أتحدث من دون تأتأة .... دعني أعيد المحاولة.... حسناً، تنفس بعمق، استرخ، وأطلق العنان للسانك".

محاكاة صوتية
يعتقد مارتن شوارتز، أستاذ بالمركز الطبي لجامعة نيويورك، أن التأتأة تحدث بسبب انسداد مربط الحبال الصوتية. ولتسريح هذه الحبال، ينبغي تعويد الشخص المُصاب بالتأتأة على التنهُد بشكل غير مسموع قبل التحدث مباشرة. فمُعالج النطق يُخبر المتأتئ بأن حباله الصوتية شبيهة بأفعوانية، إذ إن الكلمات تكون جاهزة لامتطاء صهوة الحبال الصوتية والانطلاق مع تدفق الهواء. ومن بين الوسائل التي يستخدمها مارتن ممارسة التحدث بطلاقة من خلال المحاكاة والتقليد وترديد المتأتئ للأغاني أو نطق الأسطر التي تُلازم الأفلام الأجنبية المترجمة بصوت عال مع شخص آخر.

نواقص ونواقض
من الجانب النفسي، قد ينزلق المُصاب بالتأتأة إلى وضع يتقمص فيه شخصية مختلفة عن شخصيته، فيبدأ بالتخلص شيئاً فشيئاً من شعور طالما تملكه، وهو كرهه لصوته بسبب ارتباطه في ذهنه بعجزه عن إصدار كلام طلق طليق. وعلى المستوى النفسي أيضاً، تتيح طريقة محاكاة الأصوات للمتأتئ الحصول على تغذيات راجعة جديدة حول ميكانيزمات التنفس وآليات إصدار الصوت وإخراج الحروف. فيركز على طبقة صوت مختلفة، ونبرة صوت جديدة ودرجة صوت مختلفة أيضاً عن صوته الأصلي الذي مقته شعورياً ولاشعورياً لوقت طويل بسبب خذلانه له. بيْد أن تقنية المحاكاة أو سرعة الانتقال من كلمة لكلمة، ومن صوت لآخر بطبقات ودرجات ونبرات مختلفة ليست تقنيات نموذجية لترويض اللسان على النطق بطلاقة، بل تخللتها دوماً بعض الإخفاقات، ولم تسْلم قط من نواقص ونواقض.

فك الطلاسم
على الرغم من تفهم الكل للدور الكبير، الذي يقوم به معالجو النطق واللغة، فإن هناك شيئاً واحداً لا يمكن لطليقي اللسان أن يستوعبوه أبداً، وهو أن المتأتئ يفكر في مشكلته عندما يختار معالجتها، ويفكر فيها أيضاً حين يُقرر ترك الحبل على الغارب. فهي تسكن ذهنه وتسيطر على عقله وتفكيره في جميع الحالات والأحوال.
ولذلك، فإن علماء النطق يوصون جميع من يعانون التأتأة أو غيرها من مشكلات واضطرابات النطق واللغة أن يتصالحوا مع ذواتهم، وأن يتعايشوا مع أنفسهم عبر اللجوء للعلاج، فذلك هو السبيل الوحيد لفك الطلاسم وحلحلة الرواسب، التي قد يكون لها يد في انعقاد اللسان، وتخليص النفس من ثم مما يتلبسها من تعذيب وتأنيب، وتحرير اللسان وجعله يجري كما تجري المياه المتدفقة من أعلى الشلال، مُعبرة بوضوح وصفاء وطلاقة عن ما لا نهاية له من المعاني والدلالات.

عن "واشنطن بوست"
ترجمة: هشام أحناش

اقرأ أيضا