صحيفة الاتحاد

تقارير

أُمَّة الخريف.. بين التحريف والتخريف!

برغم النزيف الذي يعتريهِ
برغم السهام الدفينة فيهِ
يظل القتيل على حالهِ
أجلَّ وأكبرَ من قاتليهِ
ليس صحيحاً أبداً أن القاتل هو الذي ينتصر وأن القتيل هو المنهزم، بل الصحيح أن القاتل هو المهزوم، عجز فقتل، انهزم فذبح. وفي أمتنا العربية والإسلامية يعيش المهزومون ويموت المنتصرون. يعيش الحمقى والضعفاء والمجانين، ويموت العقلاء والأقوياء، يموتون يأساً، أو يموتون قتلاً وذبحاً أو يموتون عزوفاً وابتعاداً وانعزالاً. وفي أمتنا العربية بيت الداء الذي أصاب العالم كله. فالعرب هم معدة العالم وليسوا قلبه أو عقله. والمعدة بيت الداء، وكل ما في هذه الأمة استهلاكي. الطعام والشراب والفكر والإعلام، كل شيء يخاطب المعدة، يخاطب البطون والجيوب، إذ لا توجد قلوب نفقه بها، ولا ألباب نتفكر ونتذكر بها. والحمقى هم قادة ونجوم المشهد الثقافي والإعلامي والفني وحتى السياسي أيضاً. وما دخل العرب أمراً ولا بلداً إلا شانوه، وما خرجوا من أمر ولا بلد إلا زانوه. دخلوا أفغانستان والشيشان والبوسنة ودول أوروبا فأفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة، وكذلك يفعلون في بلادهم ومدنهم وقراهم. كذلك أفسدوا بخريفهم دولاً عربية كثيرة وجعلوا أعزة أهلها أذلة. وصار العرب نصف لاجئي ونازحي العالم، ثم يتحدثون عن أعداء الإسلام والمسلمين مثل ترامب أو المحافظين أو النازيين الجدد في أوروبا. والحق الذي لا حق سواه أن العرب والمسلمين هم ألد أعداء الإسلام والمسلمين. فهم الذين قدموا إسلاماً مشوهاً قاتلاً عنيفاً إلى العالم كله، هم الذين أسقطوا آيات القرآن ونصوص الحديث الشريف وفصلوها على مقاسهم، وعلى عوارهم النفسي، وعلى وجدانهم المظلم وجعلوا نصوص القرآن والسُنة تبريراً للكراهية والأحقاد والخلل العقلي والقلبي والشذوذ الفكري إذا صح أنهم يتبنون فكراً.
وإن تعجب فعجب أمر من نسميهم العلماء والدعاة في هذه الأمة، فهم مضبوطون على أسطوانة مشروخة وأغنية مستهلكة اسمها مواجهة الفكر بالفكر ومقارعة الحجة بالحجة، وهم مجموعة من الحكائين وليسوا أبداً مجموعة من المفكرين المجددين المجدين والمجتهدين. في كل برنامج من تلك البرامج المسماة دينية، لا بد أن تشعر بالاختناق وبغصة في حلقك إذا كنت فعلاً ممن لديهم بعض الفكر والوعي. فالعالم أو الداعية- أو ما شئت من الأسماء التي سموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان- لا تسمع منه إلا حكايات وقصصاً مملة ومكررة، تسمعها هي نفسها من داعية أو داهية آخر في فضائية أخرى. حكايات عن الجن، وسبل إخراجه من الأظافر أو من الجوارب. وحكايات عن النساء والرجال في الماضي، وحكايات عن الأقدمين، وحكايات عن حوار سيدنا عبدالله بن العباس رضي الله عنه مع الخوارج. ومع الحكايات أو تتخللها المقبلات من أصوات النساء المتصلات السائلات عن أمور يخجل من طرحها والله الرجال.
والمشكلة أنك تسمع الحكايات نفسها والمقبلات النسائية نفسها في كل البرامج المسماة دينية في العالم العربي كله. ويذكرني هذا الغثاء المسمى برامج دينية بقول شاعر المعلقات الأشهر زهير بن أبي سلمى:
ما أرانا نقولُ إلا رجيعاً.... ومعاداً من قولنا مكرورا
وهناك النقد نفسه الذي وجهه شاعر المعلقات الفارس عنترة بن شداد في قوله:
هلْ غادرَ الشُّعراءُ منْ متردَّمِ؟... أم هلْ عرفتَ الدارَ بعدَ توهمِ؟
هل توقف النمو الفكري للعرب؟ نعم، بلا ريب، ولا يمكن أن يكون هناك نمو في الفكر العربي مع الاستسهال والجري وراء النجومية والشهرة، وما يسمى «لقمة العيش» والاستجابة أو الخضوع لإرادة البطون.
النمو الفكري والوجداني العربي توقف عند زهير وعنترة، وعند فقه الخوارج.. وإفتاء الفتن وفقد كل قول وفعل قيمته لأننا نفكر بالنقل لا بالعقل.. ننقل عن بعضنا وننقل عن السلف ويحركنا الشعار الغبي أو شعار المعاندين ومن ماتوا فكرياً.. «وجدنا آباءنا وألفينا آباءنا» إنها ليست فقط سلفية الإيمان.. بل هي أيضاً سلفية الفكر والعناد.. فأقوام الأنبياء جميعاً الذين أطلقوا شعار «ألفينا آباءنا» كانوا أيضاً سلفيين، لكنهم سلفيون في العناد، والكفر، والببغائية.
وسمعت أحدهم في برنامج ديني يقول: «لا بد من مواجهة الفكر التكفيري بالفكر الديني الصحيح»، وراح يرد على قادة الإرهاب الذين قالوا «لا يفتي قاعد لمجاهد»، لكنه كان رداً سقيماً، حيث فوجئت بأنه يكاد- أو هو بالفعل- يسلم بهذا الشعار ويقول: «لا.. بل يفتي القاعد للمجاهد إذا كان القاعد عالماً عارفاً بقواعد الفقه.. فهو إذن يسير في ركاب الإرهابيين ويسلم بصحة شعارهم، لكنه يدافع عن القاعدة.. أليس هذا تخريفاً وتسليماً بما يقوله الإرهابيون؟ ولو أن صاحبنا هذا لديه نمو فكري أو أثارة من علم، لقال قولاً آخر ينسف به قول الإرهابيين وهو سؤال بسيط للإرهابي: أنت أيها الإرهابي تقول: لا يفتي قاعد لمجاهد وأنا قاعد.. فهل أنت مجاهد؟ هذا هو السؤال، هل الإرهابيون مجاهدون؟ ثم ما معنى الجهاد؟ ولماذا حصره من نسميهم العلماء ومعهم الإرهابيون في القتال؟ وكل قتال في سبيل الله جهاد، ولكن ليس كل جهاد قتالاً. فالجهاد ليس مرادفاً للقتال، لكنه يستغرقه الجهاد، قتال وأشياء أخرى لا حصر لها.. وربما القتال أقلها شأناً.. لأن القتال سقط تماماً في زماننا لأنه لم يعد هناك معسكران واضحان، أحدهما معسكر الكفر والآخر معسكر الإيمان.. والعالم لم يعد به كفرة ولم يعد به مؤمنون واضحون، ولكنه قتال بين معسكري النفاق، منافقون يقاتلون منافقين، وكل من في المعسكرين يقاتلون ويقتلون بشعار «الله أكبر». القتال سقط تماماً، لكن الجهاد لن يسقط أبداً إلى يوم القيامة. القتال الآن بين معسكر التحريف ومعسكر التخريف والعرب يواصلون السقوط كأوراق الخريف!

*كاتب صحفي