تقارير

الاتحاد

أرمينيا.. الحضن الروسي

عندما اختلفت أرمينيا العام الماضي عن غيرها من دول الاتحاد السوفييتي السابق واتجهت نحو أوروبا وتعهدت بالانضمام بدلاً من ذلك إلى الاتحاد الجمركي الجديد الخاص بروسيا، لم يكن هدف الإبقاء على موضع قدم في كل من الشرق والغرب يبدو بهذا القدر من الصعوبة والاستعصاء. ولم تكن أيضاً هذه هي المرة الأولى التي تنجح فيها تلك الدولة في اتخاذ إجراء متوازن عالي المخاطر: فعلى مدار سنوات، كانت أرمينيا هي العضو الكامل الوحيد في التحالف العسكري لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي بقيادة روسيا الذي يشارك أيضاً، في الوقت نفسه، في بعثات حفظ السلام التابعة لحلف «الناتو». ومع تعهد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بمواصلة دعم جهود التنمية الاقتصادية، لم يكن هناك الكثير لتخسره كذلك جراء الانضمام إلى روسيا.
بيد أن هذا كان قبل أزمة أوكرانيا، وقبل أن تتردى العلاقات الغربية- الروسية إلى أدنى مستوياتها منذ الحرب الباردة، وقبل أن يبدأ «الروبل» في التراجع بطريقة متذبذبة -ما أدى إلى انخفاض عملات أخرى مثل الدرهم الأرميني. والآن، بينما تستقر أرمينيا في دورها كأصغر عضو في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي الجديد لروسيا، فهي تستعد أيضاً لما يعترف حتى مسؤولو الحكومة بأنها جولة وعرة جديدة.
وفي هذا السياق «فاتشي جابريليان»، نائب رئيس الوزراء ووزير التكامل الاقتصادي الدولي في الحكومة الجديدة: «لم أسمع من قبل عن حالة يكون فيها الاضطراب في بلد شريك أمراً مفيداً». وأضاف: «إن الوضع، بالطبع، قد تغير، ولكنني ما زلت لا أرى أي تغيير يبدل بشكل جذري خيارنا».
وقد تم الإعلان فجأة عن قرار أرمينيا بإلغاء المفاوضات مع أوروبا حول اتفاق للشراكة -كذلك الذي وقعه الاتحاد الأوروبي مؤخراً مع أوكرانيا وجورجيا ومولدوفا- والانضمام للكتلة التجارية الناشئة مع روسيا وذلك عقب اجتماع في سبتمبر 2013 بين الرئيس «سيرج سيركيسيان» ونظيره الروسي «فلاديمير بوتين» في موسكو. وقال دبلوماسيون غربيون إنهم «فوجئوا» بذلك. وذكر بعض أعضاء المعارضة أن الاتفاق كان «نتيجة لابتزاز روسي».
وبرر أعضاء الحكومة الأرمنية القرار بأنه سيعطي أرمينيا الفرصة لتحسين العلاقات الاقتصادية مع كل من الاتحاد الأوروبي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي في الوقت نفسه.
ويبدو أن فكرة أن أرمينيا بإمكانها المساعدة على بناء علاقات اقتصادية بين الاتحادين تحظى ببعض الدعم من قبل الكرملين. ففي الأسبوع الماضي، ذكر السفير الروسي في الاتحاد الأوروبي للموقع الإخباري «إي يو أوبزيرفر» أن أرمينيا كانت واحدة من دول عديدة يمكنها تسهيل التجارة بين الاتحاد الجمركي الجديد بزعامة روسيا وأوروبا. وعي رغم ذلك فقد اعترف قليلون في الحكومة الأرمنية بأنه لم تكن لديهم خيارات أخرى كثيرة بدل اختيار الوقوف إلى جانب روسيا.
يذكر أن أرمينيا أعلنت استقلالها عن الاتحاد السوفييتي قبل 23 عاماً. ولكن روسيا لا تزال هي الرابط الحيوي بين أرمينيا والعالم الخارجي. كما تستضيف روسيا أكبر عدد من السكان الأرمن خارج أرمينيا، وتعد هي أكبر مصدر للتحويلات المالية، التي شكلت أكثر من خمس الدخل القومي لأرمينيا في العام الماضي. وتحتكر روسيا كذلك بيع غاز أرمينيا الرخيص حتى عام 2043، ويعتمد الكثير من الأرمن على الأخبار التي يبثها التلفزيون الذي تموله روسيا.
وبينما لا تزال أوروبا هي أكبر سوق لصادرات أرمينيا، إلا أن روسيا هي المقصد الرئيسي للسلع من غير المواد الخام، ما يساعد أرمينيا على تنويع اقتصادها، خاصة أنها ليست على استعداد للمنافسة في أوروبا. وفي الشهر الماضي، صوت البرلمان الأرميني بأغلبية ساحقة على الانضمام إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.
غير أن العامل الأكثر أهمية الذي أدى إلى مشاركة أرمينيا في الاتحاد الاقتصادي الجديد لروسيا ليس عاملًا اقتصادياً فقط. فقد قال نائب وزير الخارجية الأرميني السابق «شافاراش كوتشاريان»: «لدينا مشكلة أمنية تتطلب منا اتخاذ خطوات أسرع». وأوضح أن فوائد الانضمام للشراكة الأوروبية ستستغرق وقتاً أطول لتتحقق مقارنة بالانضمام للاتحاد الأوراسي.
من ناحية أخرى، تعتبر روسيا هي المزود الرئيسي لأرمينيا بالأسلحة وبأسعار مخفضة، كما أنها تبقي على قاعدة عسكرية في البلاد. وتعتبر أرمينيا ذلك أمراً حيوياً في الصراع المجمد الذي استمر عقدين حول وضع إقليم «ناجورنو كاراباخ»، وهي منطقة متنازع عليها مع أذربييجان.
وهناك مخاوف من تعريض الدعم العسكري الروسي للخطر، خاصة أنه لا يوجد بديل غربي حقيقي. وعلى رغم أن أرمينيا هي أعلى متلقٍ للمساعدات الأميركية للفرد الواحد، إلا أن هذا المال أيضاً لا يفيد في شراء الأسلحة.

قارون ديميريجيان
* كاتب ومحلل سياسي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا