الاتحاد

الملحق الثقافي

على حد السيف

مر بشار بمواقف كادت تودي به من جراء طول لسانه، فقد هجا مثلاً في عهد المهدي أحد قادة جيشه وهو روح بن حاتم، فبلغه ذلك فقذفه وتهدده، فقال فيه بشار:

تهددني أبو خلف وعن أوتاره ناما بسيف لأبي صفرة لا يقطع إبهاما كأن الدرس يعلوه إذا ما صدره قاما

(وفي هذا طعن قاتل في شجاعته إذ يغفل عن ثأره ويمسك سيفا لا يقطع إصبعا، وهو مثل المرأة التي تتزين بالورود، أو أن سيفه يعلوه الصدأ الأصفر قبل أن يشرع للحرب) فبلغ ذلك روحا فقال: كل مالي صدقة إن وقعت عيني عليه لأضربنه ضربة بالسيف ولو أنه بين يدي الخليفة. فبلغ ذلك بشارا فقام من فوره حتى دخل على المهدي، فقال له الخليفة: ما جاء بك في هذا الوقت؟ فأخبره بقصة روْح وعاذ به منه، فقال: يا نصير، وجه إلى روح من يحضره الساعة، فأرسل إليه في الهاجرة، وكان ينزل المحزَّم، (وهي محلة كانت ببغداد بين الرصافة ونهر المعلى لا يسكنها إلا علية القوم) فظن هو وأهله أنه دعي لولاية، قال: يا روح إني بعثت إليك في حاجة، فقال له: أنا عبدك يا أمير المؤمنين، فقل ما شئت سوى بشار، فإني حلفت في أمره بيمين غموس (لا نقض لها ولا استثناء فيها، وهي واجبة النفاذ فوراً) قال: قد علمت، وإياه أردت، قال له: فاحتلْ ليميني يا أمير المؤمنين، فأحضر القضاة والفقهاء، فاتفقوا على أن يضربه ضربة على جسمه بعرض السيف، وكان بشار وراء الخيش (وهو نوع من المراوح المائية، كانت تصنع من الخيش ويُتبرَّدُ بهوائها البليل) فأُخرج وأُقعد، ثم استل روح سيفه فضربه ضربة بعُرضه، فقال بشار: أواه بسم الله، فضحك المهدي وقال له: ويلك، تتأوه وإنما ضربك بعرضه فكيف لو ضربك بحده؟. هذا الاندفاع في الهجاء حتى يحيق به الخطر كان من ديدن بشار وغيره من كبار الشعراء، وقد روي عن بشار في ذلك كثير من القصص الدالة، من ذلك ما يرويه الأصفهاني عن الفضل بن يعقوب قال: “كنا عند جارية لبعض التجار بالكرخ تغنينا، وبشار عندنا، فغنت قوله:

إن الخليفة قد أبى وإذا أبى شيئا أبيته ومخّضب رخص البنان بكى عليّ وما بكيته يا منظرا حسنا رأيت بوجه جارية فديته بعثت إليّ تسومني ثوب الشباب وقد طويته

فطرب بشار وقال: “هذا والله يا أبا عبد الله أحسن من سورة الحشر”، فحمق الشاعر يجعله يعلن طاعة الخليفة؛ ثم يأخذه الغرور والزهو بنفسه فيزلف لسانه بمثل هذه الكلمة التي يمكن أن يكون فيها هلاكه؛ إذ لا يفتأ يعيش دائماً على حد السيف.

اقرأ أيضا