الاتحاد

الملحق الثقافي

مداعبات شعرية للناس والحيوانات

قليلة هي الإصدارات التي تعنى حديثا بالطّرائف والنّوادر، وكأنّ هذا النّوع من الكتب انطوى عهده، وسلّم قياده الى أجدادنا من عصر النّهضة، وروّادنا من العصر العبّاسيّ، ظنّا منّا أنّ الفراغ الذي تيسّر لهم، فتح أمامهم أفق البحث عن الدّعابة السّائرة، أو تصنيعها لتحلية الحياة اليوميّة، وتزيين المجالس، بينما تمنعنا الجدّيّة المفرطة، والحركة المهنيّة الدّائبة، اللتان تطبعان عصرنا، الخلود إلى المؤانسة السّاخرة، والبحث عن مستملح الأحاديث، لجمعها، ونشرها، إمتاعا لمن تبقى من القرّاء الصّابرين المواظبين. وقد أراد الكاتب والشّاعر اللبنانيّ سعيد الصّبّاح أن يكسر هذا العرف، وأن يخرج التّأليف من رتابته، فانتحل البحث المضني عن نفائس النّوادر، وطرائف القصص في مدينة النّبطيّة اللبنانية ومحيطها الطّبيعيّ، ليكون حصاده كتاب “طرائف نبطانيّة” الصّادر في 269 صفحة من القطع المتوسّط، موزّعة على أربعة وتسعين عنوانا تنضح بالوقائع المضحكة، والأقوال السّاخرة، والشّخصيّات المحبّبة إلى النّفوس.

بين اللطائف والتّراث

أوضح المؤلّف غايته من الكتاب، فقد أراده “جالبا للمسرّة في النّفوس، وباعثا للانشراح في القلوب، وناشرا الحبور في الجوارح، ومظهرا للابتسامة على الشّفاه، ونابذا للقلق من الأفئدة، وغارسا للأمل في المهج التي طالما عانت الحزن في سنوات عجاف” ولتحقيق هذه الغاية، اختار الصّبّاح منهجه، فسعى لإلقاء الضّوء “على طرائف أمست في طوايا النّسيان، وأن أنفض الغبار عن صفحات مشرقة باللطائف من الزّمان المنقضي الجميل” الى أن قال: “وبذلت الجهد الجهيد لجمع ما تيسّر من تراثنا الشّعبيّ، في النّبطيّة ومحيطها ليبقى حيّا في الذّاكرة”. وكان من ناحية ثانية يؤاخي بين العامّة والخاصّة، على اختلاف الطّبقات والاهتمامات، فتجد في الكتاب رجل السّياسة ورجل الدّين والشّاعر والطّبيب والمفكّر، جنبا الى جنب مع أفراد الشّعب يتولّون بطولة الأخبار المضحكة، ويتناوبون التّمثيل على مسرح الحياة، ليؤكّدوا وحدة التّراث، وتكامل الوجدان، وترابط الثّقافة التي صدرت عن بيئة واحدة. يعرّج الكتاب على ملح الشّاعر الشّعبيّ الرّاحل في النّبطيّة عبدالله كحيل، والذي أصبح من مؤانسي الزّعيم المعروف آنذاك كامل الأسعد، وصاحب المطارحات الزّجليّة والفصيحة مع نظرائه في المنطقة، والتي لاتخلو من مديح ساذج للبيك، وغمز من قناة خصومه. وحين يلتقي الشّعراء في مجلس من المجالس، تستعر بينهم اللّطائف الأدبيّة، التي تكون قصائد متناقلة، تشبه النّقائض في العصر الأمويّ، لكنّها تنافسها ملاحة وخفّة وعفويّة، إذ تختار مواضيع شعبيّة: فرقة تمدح الشّاي وتذكر محاسنه، وفرقة تعارضها بإبراز مساوئه ومدح القهوة.

الحيوان والإنسان

كما يحتوي الكتب وقفات ودعابات، تتدخّل فيها الحيوانات إلى جانب الإنسان: فكاهات السّيّد عبدو خلف مع القطّ، قصّة الحرفوشي مع أضحية العيد (القرقور)، وتاجر المواشي أمين درويش الحاج علي ورحلته لبيع أغنامه في سوق مدينة السّويداء (سوريّة)، ثمّ أخبار أبي منيف مع ماشيته وحيواناته الدّاجنة وبوجه خاصّ الدّيك والحمار. وهنا يسرد المؤلّف بعض النّوادر المتعلّقة بالمواشي، والتي تصبح جزءا من الحركة الأدبيّة في محافظة النّبطيّة، معبّرة عن وجدان الشّعب في تلك المرحلة. مثلا: رثاء الشّاعر نور الدّين بدر الدّين للعنزة الجرباء (وهي قصيدة لتعزية صاحبها السّيّد جعفر، وتخفيف أحزانه) اذ يقول مخاطبا صديقه المفجوع بفقدها:

حارت بعينيك دمعة خرساء مذ فارقتك العنزة الجرباء ماتت أمانيك العذاب بموتها ودهتك داهية بها دهياء

وللحمار نصيب من الشّعر في طرائف نبطانيّة، عندما حوّله بعض الشّعراء الى مادّة أدبيّة ملهمة، فقال الشّاعر علي محفوظ رمّال في رثائه معارضا الشّاعر الجاهليّ امرؤ القيس:

قفا نبك من ذكرى حمار مجندل بواد سحيق قرب خلّ منهل


والحمار ليس وحيد زمانه في الكتاب، إذ تحضر معه الكلاب والفئران والهررة، ويطلّ معها المستوى الثّقافيّ، والرّوح المرحة، والميول المهنيّة، وعلاقة النّاس بالزّعماء السّياسيّين، حتى يمكن القول: إنّ كتاب سعيد الصّبّاح، محاولة لتطهير نفوسنا المعتلّة بأمراض الحضارة، ومعالجتها بشيء من فطرة أجدادنا الذين سبقونا ببراءة النّفوس، وطيب النّيّات، ولطف المعشر، وحلاوة الألفة، والمسامرات

اقرأ أيضا