الاتحاد

الملحق الثقافي

بيتر سكارليت: تنظيم مهرجان سينمائي يشبه قيادة حملة عسكرية

“خلال أربعة أشهر أمكن لنا تقديم الكثير من الأشياء، لكنْ ثمة الكثير من القصور في أشياء أخرى. إنما، وللدورة المقبلة للمهرجان، فإن البرنامج سيكون نتاج اثني عشر شهراً من الإعداد”.

كان مباغتاً بالفعل أنْ يقول ذلك المدير التنفيذي لمهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي بيتر سكارليت أثناء تهيئة الأجواء للحوار، الذي أجري مساء الجمعة الماضي والدورة الثالثة للمهرجان قيد الأفول والذي ما كان ليتم بهذه السرعة لولا مساعدة كريمة من الآنسة رشا سلطي، منسق السينما العربية، في الترجمة. قبل ذلك، فإن المتابع لفعاليات المهرجان لا يحتاج إلى تقصُّد متابعة الرجل الذي لا يجلس في مكتبه، فهو متواجد منذ الصباح في ورشات العمل والمحاضرات الصباحية ومع ضيوفه على الغداء ثم في تقديم الأفلام ومخرجيها للجمهور، وأخيرا في الجلسات التي تتبع العروض، ما ترك انطباعا لدى الكثيرين بأنه رجل ديناميكي من النوع الذي يمارس عمله بغبطة.
ما يلي الحوار:

? إذن، بوضوح وشفافية، ما الإخفاقات والإشكاليات التي واجهتموها من جانب، وما المفاجآت، السارّة، ربما، التي لم تكن بحسبانكم؟. ? سأبدأ من الشق الأخير من سؤالك، كانت المفاجأة الأولى هي الناس الذين ملأوا الصالات لكل الأفلام على اختلافها وتنوعها. اليوم قدّمنا، على نحو غير مسبوق، نوعاً خاصاً من العروض السينمائية. نسخة من الأرشيف لعدد من الأفلام الصامتة، إضحك حتى التعب، وبعد الانتهاء من العرض الذي ترافق مع عزف حيّ على البيانو، سألنا الكثير من المشاهدين إنْ سنعيد تقديم هذا العرض في مكان آخر حاله حال العروض الأخرى في المهرجان. وهذا أمر سارّ. أما المفاجأة الأخرى، فتتمثل في أنه قد قيل لنا سابقاً أن جمهور أبوظبي غير معتاد الذهاب إلى السينما، ثم أنه جمهور قد تمّ إفساده بسينما هوليوود أو بوليوود، وما يشغله هو التسوق والماركات والوجاهة وكل ما له صلة بما هو تافه، إنما تفاجأنا، ليس بالحضور وحده فقط إنما بذلك الجمهور الذي يناقش ويجادل المخرج في نقاشات طويلة حول عمله؛ نقاشات عميقة وأحيانا مذهلة. وهذا أسعدنا جدا. أيضا، قيل لنا أن النسيج الاجتماعي لأبوظبي يتشكل من مواطنين وجاليات مغتربة لا تنزع إلى الاختلاط فيما بينها فهي لا تريد أن تتعلم العربية والذين يتحدثون العربية لا يأبهون بالأجانب، كما لو أن الناس هنا يعيشون في جزر منعزلة عن بعضها البعض. لكنّ ما حدث هو العكس، ربما بسبب التركيبة المتنوعة المنشأ للأفلام المشاركة، حيث جاء أوروبيون لمشاهدة الأفلام المصرية، مثلا، وفي عروض الأفلام الإيرانية كان ثمة عرب وأجانب. اكتشفنا أن الجمهور مختلف ومتنوع، وأن الجاليات كلها تقريبا تجلس في الصالة نفسها وتتابع الفيلم نفسه، بل وتناقش المخرج بعد انتهاء العرض مثلما حدث مع المخرج الفلسطيني إيليا سليمان. وكذلك حدثت استجابة إيجابية سارّة لتغييرات أحدثناها في بنية برنامج المهرجان، فقد كانت المسابقة مفتوحة للأفلام كلها، التسجيلي والروائي معا، فأجرينا تقسيما واضحا بحيث يكون الروائي بمعزل عن التسجيلي. ثم لم نرغب بتكرار أن تكون هناك مسابقة للأفلام الدولية بمعزل عن الأخرى التي جرى إنتاجها في منطقة الشرق الأوسط، علما أن استخدام “الشرق الأوسط” هنا هو تعبير يجري النظر إليه من منحى ثقافي واسع يجمع الدول العربية بمشرقها ومغربها مع إيران وتركيا، وهذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لم نرغب في أن يبقى العرب وبقية الشرق الأوسط على حدة وبقية العالم في الجهة الأخرى فقمنا بصناعة برنامج يوازن تماما بين ما هو شرق أوسطي بالمعنى الذي ذكرته سابقا وما هو عالمي. لكنهم جميعا في المسابقة ذاتها، ما يعطي بُعداً دولياً للمهرجان يحقق له إحدى أهمّ غايته. ولكي نساهم في تشجيع إنتاج الأفلام على مستوى المنطقة قمنا بمنح جائزة لأفضل فيلم شرق أوسطي وأخرى لأفضل فيلم دولي، بمعنى أننا أتحنا الفرصة أمام فيلم واحد مثلا أن يفوز بالجائزتين، المناطقية والدولية معا. أيضا هذه التركيبة على مستوى البرنامج والجوائز لا تعزل المنطقة ولا تجعل منها غيتو ثقافيا، وأظن أن هذه واحدة من الإنجازات المهمة التي أعتبرها نجاحا. وأخيرا، في سياق المفاجآت السارة، استطعنا عرض أفلام من النوع غير السهل أبدا، لكن لم تكن هناك ردود فعل سلبية من الجمهور، من مثل “إحكي يا شهرزاد” ليسري نصر الله الذي كانت فيه مشاهد صعبة، أو “دواحة” للتونسية رجاء عماري الذي فيه مشاهد عُرْي، فلم تحدث أية مشاكل والجمهور ما زال يملأ الصالات. كان ذلك مجازفة لكنّ الجمهور تقبلها بوعي. عروض خارجية ? الآن ماذا عن الإخفاقات؟ ? كان لدينا حلم لا يزال قائماً حتى الآن، وهو أنْ تكون هناك عروض خارجية على الشواطئ مثلا أو سواها، خارج القاعات المخصصة للعروض السينمائية بل خارج المدينة ذاتها، لكن لم نستطع تحقيق ذلك هذه الدورة لكن من الممكن أن يحدث ذلك في دورات لاحقة. أيضا، عندما ينظّم المرء مهرجاناً فإن الأمر أكثر شبهاً بتنظيم حملة عسكرية، وحتى هذه الحظة، قبل انتهاء المهرجان بليلة واحدة لم تَرِدْ كافة التقارير من الأطراف كي نرى كم جندياً خسرنا في الحملة هذه. لكن اكتشفنا أن الفرق المشاركة في الإدارة أو المنبثقة عنها لم تكن جميعا على المستوى نفسه من سوية الأداء، في الوقت نفسه، فإن الفريق الذي تشكل قبل أربعة شهور لم يكن كله قادما من خارج الدولة بل وجدنا أشخاصا محليين وعملنا معهم وهذا أمر أصنفه بدرجة الممتاز. وطموحنا للعام المقبل أنْ يكون الأداء أفضل خاصة وأننا نعمل معا لأول مرة ولمدة قصيرة فحسب وعلى أرض لا يزال الكثير لا يعرفونها تماما. في هذا السياق أقول أيضا، إن المهرجان يتحدث بلغتين العربية والانجليزية وهذا أمر جديد بالنسبة لي، لكننا أنتجنا خمس مطبوعات مختلفة وترجمنا أربعة وأربعين فيلما إلى العربية لأول مرة يجري عرضها، وهذا ليس بكاف، أيضا لم تكن الترجمة الفورية خاصة في الندوات والنقاشات على السوية نفسها من الجودة، وبرأيي لا يعود هذا الأمر إلى أن هناك مترجمين فوريين لم يكونوا موفقين فحسب، بل أيضا الترجمة هنا هي ترجمة سينمائية ثقافية تتوافر على مصطلحات خاصة، وتحتاج إلى ثقافة خاصة، الأمر الذي لا يتوفر دائما عند المترجمين المهنيين. وبالتأكيد هناك إخفاقات في مطارح أخرى لكنها الآن غير واردة في ذهني. لكن الأكيد هو أن المهرجان سيكون متبوعا بسلسلة طويلة من الاجتماعات التقييمية لدراسة المشاكل كلها بحيث يجري التخلص منها للدورة المقبلة التي ينبغي أن تكون نتاجا حقيقيا لاثني عشر شهراً من العمل. سؤال سياسي ? أرغب بطرح سؤال من النوع السياسي، فقد قدّم المهرجان عدداً من الأفلام التي تعاملت بتوازن مع القضايا الشائكة في المنطقة ومن النوع المثير للجدل والاختلاف، هل كان هذا الأمر مقصوداً؟ ? أودّ بدءاً أن أحيي مجهود انتشال التميمي ورشا سلطي في هذا السياق على ما بذلاه من جهد. لكن لا أوافق تماماً على المعنى الحرفي للكلام، فقد عرض المهرجان الفيلم التسجيلي “جيران” لتهاني راشد التي تجنبت تناول المعطيات السياسية بشكل مباشر، وكذلك فيلم “دواحة”، لكنني أعرب لك عن سعادتي بهذه الملاحظة حقا. ? بذلك هل يمكن أن نعتبر أن هذه هي الدورة الأولى للمهرجان أو البداية الحقيقية له؟. ? بالطبع لا. فإذا اعتبرنا أن هذه هي الدورة الأولى فهذا نوع من قلة التهذيب وفيه نوع من عدم التقدير لجهود الآخرين. لكن لو فكرنا قليلاً في الأمر فسنجد أن أي كائن لديه من العمر ثلاث سنوات فإنه يتصرف بوصفه قد بلغ الثالثة مسبوقاً بعامين، لكن، إن شئت فقد اتخذ المهرجان اتجاهاً جديداً. ولم يكن لذلك أن يحدث لو لم تكن هناك دورة أولى وأخرى ثانية. ? لاحظت أيضا أن السينما العربية ليست كلها موجودة، السينما المغربية تنتج اثني عشر فيلماً في السنة، أقلها، وقد سُجِّل غيابها؟. ? ليس السينما المغربية وحدها، بل الجزائرية أيضا. لكن المهرجان ليس الأمم المتحدة، بمعنى أن هناك كرسياً لدولة ما ينبغي تعبئته لكل دورة، ليس المهرجان بنادٍ للمنطقة حيث لكل دولة الحق في العضوية فيه، أضف إلى ذلك أن الإنتاج السينمائي شبيه بإنتاج النبيذ حيث هناك موسم طيب ومواسم أخرى قد تكون لا. وهذا واقع. وكنا نريد لفيلم جزائري أن يشارك، لكن ذلك الفيلم لم يكن من الممكن أن ينتهي العمل من صناعته دون أن يتأثر موعد انطلاقة المهرجان فتم إرجاء عرضه. باختصار، الأولوية في المهرجان للجودة وليس للتمثيل. ? إذن، ما هي الاعتبارات التي بناء عليها تحدد إدارة المهرجان لهذا الفيلم أو ذاك أنْ يشارك أو لا؟. ? إننا خمسة أشخاص قد أنيط بهم أن يضعوا البرنامج، والمقياس هو أنْ يعشق أحدنا الفيلم وأنْ يقنع الآخرين بضرورة وجوده في البرنامج. والذي حدث غالبا أنّ أكثر من واحد منّا قد أغرم بفيلم ما. ? وماذا عن السقف الزمني لإنتاج الفيلم؟ ? ينبغي أن لا يتجاوز ثمانية عشر شهراً كي يشارك في المسابقة، وسوى ذلك فإنه يعرض خارجها. النوعية والكمية ? من الملاحظ أيضا أن عدد الأفلام لهذه الدورة أقلّ؟. ? لقد قررنا أن نهتم بنوعية الأفلام على حساب الرقم الإجمالي، التوسع ليس عبرة وليس مؤشراً على أهمية أو نابع من تميّز أو اختصاص. ? ماذا عن البرامج الخاصة؟ ما الفكرة التي من ورائها؟. ? خذ مثلا السينما التركية، إنها تتطور منذ أربع أو خمس سنوات، ليس فنيا فحسب، بل لأنها أيضا تشكل حالة خاصة في الإنتاج السينمائي ما جعلنا نقدمها بوصفها نموذجاً من الممكن للمخرجين الشبان في المنطقة، فهي بالفعل سينما مستقلة ولا تتكل على التمويل الأجنبي واشتراطاته، إنما هي تُشكِّل الآن هويتها الخاصة. إنها سينما يحمل أعباءها المجتمع التركي فهي سينما مستقلة تعرض نتاجاتها في الصالات تمثل تجربة مهمة في المنطقة ينبغي أن يتعلم المرء منها شيئاً. أما الأفلام التي عرضت خلالها فهي على جودة عالية جداً وشهدت إقبالاً جماهيرياً ممتازاً برأيي. ? في ما يتعلق بالسينما المستقلة، هل ستشهد الدورة المقبلة عروضاً من السينما الأميركية المستقلة، إنها مثيرة للانتباه أحياناً؟. ? لم يعد هناك سينما أميركية مستقلة بالمعنى الذي تتحدث عنه، لقد غزتها هوليوود، وهذا أمر واقع، لكنني متفائل أن نتمكن من تقديم أفلام أميركية جيدة من السينما المستقلة حقيقة. ? لديّ سؤال فانتازي حقيقة، هل يمكن أنْ تتخيل الدورة المقبلة وما تحلم به بالنسبة لها؟. ? هناك نظرية مفادها أن العمل يتطور بحسب الوقت المتاح له، إذا كان هذا هو حجم الإنتاج خلال ثلاثة أشهر فهل ستكون الدورة المقبلة أفضل بثلاث مرّات؟ من المحتمل أن تكون الإجابة لا، لكن لنأخذ بالمقابل حادثة المخرج الروسي آيزنشتاين، فقد أنهى مونتاج فيلمه العظيم “المدرعة بوتمكين” في سيارة الأجرة أثناء ذهابه إلى موعد العرض الأول للفيلم. هذا يعني أن الأمر ينطوي على جانبين أحدهما فني والآخر لوجستي، وسننكب على تحسين الجانب اللوجستي الذي يبدأ العمل عليه بعد يومين فقط. (أي الأحد الماضي ).

اقرأ أيضا