الاتحاد

دنيا

اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذّلة

أحمد محمد (القاهرة)

استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم، في دعائه من أمور عدة، لما فيها من شدة في النفس، ونقصٍ في الدين من الإخلال عن كثير من العبادات، والتسخط على الله عز وجل، وعدم الصبر، والقناعة، وإتعاب العقل والبدن بالتفكير والهم، والحزن، فلا تطيب الحياة، ولا ترضى النفس، فكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ».
والفقر، هو خلوّ ذات اليد من المال، سواء عنده بعض كفايته، أو لم يجد كفايته، فيدعو الَله، أعذني من عدم كفايتي من المال الذي أقوت به نفسي، وأهلي وأولادي، وأخاف من أن يؤدي بي إلى عدم الصبر، وإلى التسخط وعدم القناعة، وتسلط الشيطان عليَّ بذكر نعم الأغنياء، وأعذني يا إلهي من شدة الحاجة إلى الخلق، والتعرض لهم بالسؤال والطلب والاحتياج إلى غيرك، أستعيذ منهما لأنهما قد يفضيان إلى الخلل في الدين والمروءة.
قال صاحب ?»?عون المعبود»?، اللهم إني أعوذ بك من الفقر، أي من قلب حريص على جمع المال أو من الفقر الذي يفضي بصاحبه إلى كفران النعمة في المال ونسيان ذكر المنعم المتعال، وقال المناوي، أي استعيذوا بالله من الفقر والعيلة، أي الفقر مع كثرة العيال، فإن ذلك هو البلاء الأعظم، وقال الطيبي، أراد فقر النفس، أعني الشره الذي يقابل غنى النفس الذي هو قناعتها، وإنما استعاذ صلى الله عليه وسلم، من فقر النفس لا قلة المال.
وللفقر مخاطر جمة، وآفات كثيرة، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم، يستعيذ بالله منه، ويسأل ربه الغنى، يقول: «اللهم إني أسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغنى».
فمن مخاطر الفقر، أنه مدعاة لانتشار الفواحش بأنواعها، من زنا وسرقة ونهب، وما أشبه ذلك، وقد يؤدي بالبعض إلى الكفر، وذلك بأن يبيع دينه بالدينار والدرهم، ويبيع الدنيا الفانية بالآخرة الباقية، وذلك يكون بموالاة أعداء الله، ومداهنتهم، ومعاونتهم ضد المسلمين، فإنه مما لا شك فيه أن من باع دينه مقابل عرض من الدنيا فإنه ممن رضي بالدنيا وقدمها على رضا الله، وبالتالي فهو من قال الله فيهم: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَ?ئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، «سورة يونس: الآيات 7 و8».
ومن مخاطر الفقر أن الإنسان قد يصبح عبداً للمال، فلربما قدم المال عن كل شيء، قال رسول الله: «تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض».
والفقر في نظر الإسلام مصيبة وبلاء، وقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم بالسعي للتخلص منه، بل وتعوذ منه وجعله قريناً للكفر، فقال عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ»، وعلى الإنسان بعد التوكل على الله فعل الأسباب لحماية نفسه من الوقوع في الفقر، والأسباب لحماية أبنائه من الفقر بتعليمهم وتسليحهم بالمهارات.
وأعوذ بك من قلّة المال التي يخاف منها قلة الصبر، أو المراد قلة أبواب الخير والبر، أو قلة العدد أو المدد، أو قلة الأنصار، ولا مانع من إرادة الجميع، والقلة في أبواب البر وخصال الخير، لأنه عليه الصلاة السلام كان يؤثر الإقلال في الدنيا ويكره الاستكثار من الأعراض الفانية.
والذلة هي الصغار والهوان، مثل انحطاط القدر عند الناس، فاستعيذ من أن أكون ذليلاً في أعين الناس بحيث يستخفونني ويحقرون شأني، والأظهر أن المراد بها الذلة الحاصلة من المعصية أو التذلل للأغنياء على وجه المسكنة، وأعوذ بك من التذلل للأغنياء على وجه المسكنة، أو المراد الذلة الحاصلة من المعصية والخطيئة، ومن كل أنواع الذلة، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها نبينا صلى الله عليه وسلم.

اقرأ أيضا